لمشهادة القصة على قناتي في اليوتيوب انقر الرابط ادناه

العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen AlZrikinyبين أكوام النفايات، اجتمعت فصول العام على المواطنة، زهوة سريع، تعتقد ان عمرها يزيد عن الثمانين عاما، بفصل واحد، ففصول الصيف والشتاء لم تعد تعني لها شيئا، بعد أن اكتفت من الدنيا بخيمة سكنتها لأكثر من أربعين سنة، بلا معيل لتأكل ما تجنيه بعزة نفس من كد يدها في بيع النفايات والعلب الفارغة في أحد مواقع الطمر الصحي بمدينة الديوانية، لتضمن الحصول على ألف دينار كل يوم، تؤمن به طعام ضيوفها.

عزة نفسها منعتها من قبول مساعدة من أي شخص سمع بقصتها، حتى بعد أن فقدانه لبصرها منذ ثمانية أعوام، لتكتفي بترقيع خيمتها البالية، مما يقع بين يديها من أكياس النفايات، بعد تدني أسعار بيع ما يستخرجه ساكنو مواقع الطمر الصحي في الأسواق.

وتقول سريع، إنني “جئت مع أسرتي قبل نحو الخمسين سنة الى هذه البقعة، كان معنا أكثر من خمسين جملا، فالترحال للبدو هوية أهم من تلك الورقة (الجنسية)، لكنها نفقت ما أن وصلنا الى المنطقة، فما عاد لنا هوية أو سبب للترحال، فقررت نصب خيمتي والبحث عما يؤمن لي قوت يومي فقط، فلست بحاجة الى أكثر من ذلك”.

خيمة زهوة خلت من كل شيء، فالأرض الرطبة فراشها، وآنية بالية ليس لها لون أو شكل هندسي واضح، لكنها تشبه الى حد ما إبريق الشاي، تطبخ فيها ما تأكله، ووعاء حصلت عليه من أكوام النفايات، تتخذه موقدا لطبخها، عباءة مهترئة لا يميز لونها، وسقف الخيمة لم يبق منه إلا أكياس الرز والدقيق التي خيطتها بيدها لتكون سقف منزل خاو.

وترى Journalist Tahseen AlZrikinyسريع، أن الدنيا وهبتها كل شيء وليست بحاجة لبني البشر، وتعتقد ان ضمان لقمة العيش لسد الرمق، تغنيها عن الحاجة الى الآخرين”، وتبيّن أن “أبناء أخي من أبي يسكنون بجواري في منازلهم، ويتواصلون معي يوميا، ويحاولون مساعدتي وارفض ذلك”، وتشير إلى أنني “احتاج كل يوم الى ألف دينار فقط، احصل عليه من البحث وبيع العلب الفارغة، ولكني أخشى حضور ضيف لا أتمكن من توفير طعامه”.

ترفض زهوة قبول مساعدة من أي أحد، وتأبى اخذ الطعام منا ولا تسمح لنا بإنجاز عمل خاص بها، حتى بعد أن فقدت بصرها منذ نحو ثمانية سنوات، كما يوضح جارها المواطن، الأبرق مزبان.

ويقول مزبان، إننا “جئنا الى هذا المكان قبل الحرب العراقية الإيرانية بعشرة أعوام تقريبا، كانت معنا جمالنا لكنها ماتت بمرض في غضون أيام، فما عاد لنا مكان يأوينا، فقررنا البقاء في المنطقة، وبسبب عدم امتلاكنا لهويات أحوال مدنية، تعرقلت حركتنا خاصة أبان الحرب وتجنيد جميع العراقيين”.

ويوضح المواطن، أن “زهوة لا تسمح لأحد منا بمساعدتها في أي شيء، حتى بعد أن فقدت عينيها قبل ثمانية أعوام تقريبا، ترفض طعامنا، أو مساعدتنا لها بالعمل، طلبت منها أكثر من مرة بناء غرفة طينية لتقيها برد الشتاء وحر الصيف، لكنها امتنعت ورفضت ذلك بشدة”، ويبيّن انها “تنبش بيدها بحثا عن العلب الفارغة، وما أن تملأ كيسها حتى تذهب الى (الصفاط)، الشخص الذي يشتري منهم العلب، وتأخذ ألف دينار، تعطيه لأحد سائقي سيارات البلدية ليحضر لها الطماطم والبطاطا، غذائها الوحيد”.

لم يلامس غير ماء المطر جسد زهوة منذ عقود، وترفض أن تخبز أو نطبخ لها، كما تؤكد جارتها أم كاظم.

وتقول أم كاظم، إن “الماء لم يلامس جسد زهوة، على الرغم من الحاحنا ومطالبتنا لها بذلك، كانت تجيبنا أن النفايات لا تغتسل من بعضها، ونحن نفايات نعيش وسط أكوام النفايات، فما الداعي للاغتسال”، وتوضح “تعجن الطحين بيدها لتصنع رغيف خبزها، لتأكله مع البطاطا التي تطبخها في وعاء حصلت عليه من النفايات، على خشب تجمعه بيدها ليكون دفئا ونورا ومنه حرارته يستوي طعامها”.

Journalist Tahseen AlZrikinyعالم غريب أبطاله يتصارعون على لقمة العيش، زهوة والأطفال والرجال المعدمين من جهة، وكلاب البراري والطيور في بؤر مكب النفايات، فمن يستحق هذا النوع من الحياة في بلد كان حتى الأمس القريب من أغنى البلدان، فمكب الطمر الصحي جنوبي مدينة الديوانية، (180 كم جنوب العاصمة بغداد)، يحمل بين أكوام نفاياته عشرات القصص التي غابت عن مسامع المسؤولين، الذين سدت أسماعهم عن أصوات الفقراء بفعل المليارات.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *