العراق/مدينة الديوانية

تحسين االزركاني

لماذJournalist Tahseen Al-Zerganiا يستهين الشباب بحياتهم ويسترخصون أرواحهم؟، ما الذي يدفعهم الى الانتحار ومن هو المسؤول عن إرشادهم؟، لماذا تصاعدت خلال السنوات الماضية أعداد المنتحرين من الشباب؟، وما علاقة الفضائيات ومنصات التواصل بزيادة نسبة الشباب المنتحرين؟، الى متى يبقى سجل الوفيات يترقب فشل عملية انقاد شابة أو شاب هانت عليه روحه وحياته ليسجل كرقم ليس إلا في صفحاته.

بعض الأسماء سترد في القصة كرموز لرغبة أصحابها عدم الإفصاح عن هويتهم خشية من نظرة المجتمع.

خطف الموت شقيقتها فسعت للحاق بها

كان الموت على موعد مع بيت أم جنان كريم، حيث خطف ابنتها الكبرى بسكتة دماغية دون سابق إنذار أو أمراض مزمنة، وأخذ يتربص بشقيقتها جنان ذات (19 سنة)، ويغويها، لتمتنع عن الطعام والشراب لعشرة أيام، بعد أن نال منها الانهيار العصبي.

وتروي أم جنان قصة أبنتها، وتقول إن “العلاقة بين أبنائي وثيقة جدا، وكانت جنان مقربة جدا من شقيقتها رحمها الله، التي فارقت الحياة بسكتة وجلطة دماغية، على الرغم من أنها لم تكن تعاني من أمراض سابقة، ومنذ يوم وفاتها دخلت جنان في انهيار عصبي، وبدأت تمتنع عن تناول الطعام والشراب، على الرغم من إصرارنا وإجبارنا إياها في بعض الأوقات على ذلك دون جدوى”.

وتوضح الأم، أن “جنان كانت تخطط لشيء كنا نجهله، وتوصي أحد أقاربنا بشراء أدوية لها دون علمنا، ومن دون أخباره عن نيتها، وبعد عشرة أيام من وفاة شقيقتها، تأخرت في الخروج من غرفتها، كنا نظن انها نائمة فحسب، وعند العاشرة صباحا ساورني القلق، فذهبت الى غرفتها، وحين فاتحت بابها!، وجدت ابنتي ملقاة على الأرض، ومن حولها أكثر من ثلاثين شريط حبوب لم يتسنى لي معرفتها، فصرخت وتسابق أفراد أسرتي والضيوف، وأسرعنا بحملها الى مستشفى الديوانية التعليمي، وبفضل الله تمكن الأطباء من إنقاذ حياتها”.

مشكلة عائلية تدفع فتاة الى الانتحار

وفي ذات الصالة اجتمعت أسرة الشابة، سناء علي (17 سنة)، تراقب بخوف وقلق حالتها، يلومون أنفسهم على ما وصلت له ابنتهم التي تناولت مئة وخمسين حبة صرع في محاولة للانتحار.

ويقول والد سناء، إن “ابنتي تشاجرت مع أحد أقاربنا فوبختها، فغادرت الى غرفتها، كنا نظن أنها استاءت منا ليس أكثر، وعصبيتها ستنتهي ما أن يخرج الضيف من المنزل، وبعد ساعتين تقريبا خرج قريبنا، فناديت عليها أكثر من مرة دون جدوى، فطلبت من أمها الذهاب اليها وإحضارها، وما هي الا دقائق حتى سمعت صراخ زوجتي فركضنا الى الغرفة، فوجدنا سناء على الأرض وبجوارها خمسة علب من علاج الصرع، فاسرعنا بها الى المستشفى، وبقدرة قادر تمكن الأطباء من إنقاذ حياتها”.

مشاهد متكررة

أكثر من عشرة حالات محاولات انتحار لفتيات وصلت الى مركز الزهراء للفسيل الكلوي في مستشفى الديوانية التعليمي خلال شهر واحد تمكن المختصون في المركز من إنقاذها، كما يوضح مدير المركز، الدكتور وسام هاتف الشمري.

ويقول الشمري، إن ” الكادر الطبي والتمريضي في المركز تمكن من إنقاذ عشرة فتيات خلال الشهر الماضي حاولن الانتحار عن طريق تناول جرعات كبيرة من الأدوية الخطرة وذات المفعول الدوائي العالي”.

ويوضح مدير المركز، أن “فريق المركز أنقذ حياة الفتاة سناء علي، وجنان كريم، اللتان أحيلتا من ردهة الطوارئ فاقدات للوعي، بعد تناول سناء خمسة علب تحتوي كل منها على ثلاثين حبة من عقار الديباكين (200mg)، بحسب رواية ذويها، وجنان التي تناولت أكثر من ثلاثين شريط حبوب بينها مخدرة”.

ويتابع الشمري، أن “المريضة سناء بقيت في حالة فقدان الوعي ليومين، تم خلالها أجراء الفحوصات السريرية والمختبرية والنسائية، لكن نتائج التحاليل بينت ارتفاع نسبة اليوريا في الدم، الأمر الذي يوجب أجراء الغسل الكلوي الفوري لإخراج السموم من الكلى، لساعة واحدة ولمدة يومين، الأمر الذي أدى لاستعادة وعي المريضة تدريجيا، مع وجود غشاوة في النظر وشحوب في الوجه، وفي الغسلة الثانية استقرت حالتها بنسبة 60%”.

ويستدرك مدير المركز أن “حالة المريضة أوجبت إحالة الفتاة الى شعبة الكلية الصناعية لتخليصها من المواد السمية في جسمها وأثارها الجانبية وخطورتها على الكبد وإمكانية إتلافه أو عجز في الكلى ونجح التداخل وعادت المريضة الى مكانها بتحسن ووعي تام”.

ويؤكد الشمري، على أن “غالبية الفتيات المنتحرات استخدمن الأدوية بجرعات مفرطة، لتحقيق نواياهن في الانتحار، لكن الأجهزة المتطورة وخبرة الكوادر العاملة في المركز بالتعامل مع هذه الحالات أسهم بإنقاذ حياتهن من خطر تسمم أعضاء الجسم الحيوية أو حدوث سكتات دماغية وفشل الكبد والكلى وبالتالي توقف القلب والموت نتيجة التسمم بالعلاج”.

بين طريق الهداية والمعصية

الابتعاد عن الله وخشيته وترك طريق الهداية يؤدي الى الظلالة والمعصية، فقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق يعد من كبائر المحرمات كما يقول رجل الدين فضيلة الشيخ علي المسعودي.

ويبيّن المسعودي، أن “ابتعاد المرء عن الله والهداية يجعله يقترب من المعاصي والمحرمات، وعلى الآباء معرفة حقوقهم تجاه أبنائهم قبل فرض أراهم عليهم، والإسلام وجميع الديانات السماوية وضعت ضوابط تنظم العلاقة بين الآباء وأبنائهم، ولو حرص المكلفون عليها لما وصلنا الى ما نحن عليه اليوم من أحوال الشباب الذين باتوا يلجؤون الى قتل أنفسهم التي حرم الله إلا بالحق بدون رادع”.

ويضيف المسعودي، أن “القصص التي نسمعها في كل يوم باتت تشكل ناقوس خطر يدق جميع الأبواب، وعلى المؤسسات الدينية والحكومية المعنية ومنها التربية والجامعات، ونشطاء المجتمع الوقوف بجدية، تجاه ما يحصل من تفكك في المجتمع، وتفكك الأسرة التي تعد نواته، والعمل على وضع برامج خاصة يتم من خلالها استعادة الثقة بالله والنفس، والتقيد بتعاليم الأديان لنحمي شبابنا من الأفكار المسمومة التي يعمل البعض على زرعها في مجتمعاتنا ليمزقها ويفتتها ليسهل السيطرة عليها من خلال الفضائيات ومواقع الأنترنيت والهواتف النقالة”.

خطر

ويبدو أن تنامي ظاهرة الانتحار بين أوساط الشباب خاصة الفتيات، أصبح يشكل خطرا حقيقيا يستدعي الجميع الى الوقوف بحزم للحد منه، وعدم السماح بتمريره كظاهرة اعتيادية كما مرت باقي الظواهر دون انتباه، كما ترى أستاذة علم النفس بجامعة القادسية الدكتورة رواء ناطق نوري.

وتقول نوري، إن “تنامي ظاهرة الانتحار بين أوساط الشباب خاصة الفتيات، يرجع الى عدة أسباب منها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وضغط التقاليد والأعراف العشائرية، الذي يولد حالات كبت تنتج عن فرض الآباء على الأبناء خيارات لا تتماشى مع أهوائهم ورغباتهم”.

وتشير الدكتورة، الى أن “ما يعرض على شاشات الفضائيات من مسلسلات تروج الى الانتحار، وتجعل منه الحل الأمثل والخيار الوحيد، فضلاً عن مواقع التواصل الاجتماعي وما يتم تبادله بين الشباب على الهواتف النقالة بغياب رقابة الأسرة”.

وتوضح نوري، أن “ضغط الأهل على الفتاة بمبررات عدة والشك في تصرفاتها يجعل الفتاة تذهب باتجاهين، أما الموافقة على الزواج بغض النظر عن ملائمة الزوج للصفات التي ترسمها الفتيات للخروج من دائرة سيطرتهم، عسى أن تجد مع الزوج حياة أكثر حرية، تسمح لها بالخروج من دائرة السيطرة وبسط النفوذ وفرض الآراء، أو الوصول الى حالة من اليأس، تستسهل فيها الموت للخلاص من ضغطهم”.

وتتابع الدكتورة، أن “الفروق الفردية الناتجة عن التربية والنشأة الاجتماعية، والاضطرابات النفسية والوراثية والتحولية الانشطارية او ما تعرف بالهيستريا، التي تدفع الشخص الى الانتحار بغير قصده ذلك، بل هي محاولات للفت انتباه الآخرين اليه، يبين من خلالها استعداده للموت لمعاقبة المحيطين به، من خلال تناول جرعات كبيرة من العلاجات والأدوية أو قطع الشريان، ونوع الانتحار ما يعرف بشخصية المنتحر وأسلوبه”.

وتلفت النوري، الى أن “العلاقات الغرامية بين المراهقين وما قد ينتج عنها من أخطاء جنسية قد تصل الى الحمل أحيانا، تلحق العار بأسرة الفتاة، يجعلها عاجزة عن التفكير بطرق سليمة، لتذهب الى خيار الانتحار للخلاص من الوصمة التي قد تلاحقها هي وأسرتها اذا ما انكشف الأمر، وبالتالي تكون مستعدة للخلاص من حياتها، ناهيك عن زواج القاصرات والزيجات التقليدية التي تجعل الفتاة مستعدة للموت من أجل الخلاص من حياة فرضت عليها”.

وتدعو الدكتورة، المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلام والحكومية والمجتمع المدني الى “القيام بواجباتها تجاه المجتمع ونشر الثقافة الدينية والاجتماعية، من خلال الاندماج بين الناس وعلى مقربة منهم، للتعريف بأسباب الظاهرة ومخاطرها، والابتعاد عن مصطلح الممنوع من العرض والمسكوت عنه، وفتح منتديات دينية وثقافية ورياضية وعلمية للاستفادة من الطاقات الشبابية بدلا عن التفريط بها”.

وكانت مفوضية حقوق الإنسان العراقية، كشفت عن زيادة معدلات الانتحار في العراق خلال العام 2013 الماضي عن سابقتها بنسبة 60 بالمئة ماعدا اقليم كردستان، واشارت الى ان محافظة ذي قار سجلت اعلى حالات الانتحار في محافظات العراق بـ (119) حالة.

يذكر أن العراق سجل خلال السنوات الماضية ارتفاعاً في عدد محاولات الانتحار خصوصاً في صفوف الشباب والفتيات، معظمها لأسباب تتعلق بعلاقات حب أو بمشاكل اقتصادية أو خلافات عائلية، وكان أغربها محاولات انتحار تقليداً لمشاهد عرضت في مسلسلات تركية وأجنبية، في حين تشير تقارير إلى أن العديد من حالات العنف ضد المرأة خصوصاً المتعلقة بـ”جرائم الشرف” تسجل على أنها “انتحار” وذلك بالتواطؤ في رجال الشرطة خصوصاً في المناطق الريفية.

وازدادت حالات الانتحار في الآونة الأخيرة لدى الطبقات الفقيرة العراقية، إذ تفاقمت بشكلٍ ملحوظ خلال السنوات التسع الماضية، ومعظم الأرقام تؤكد ارتفاعا مستمرا في عمليات الانتحار، في مؤشر يعزوه المراقبون إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، فيما يراه البعض أحد تأثيرات الانفتاح السلبية الذي تشهده البلاد منذ العام 2003.

وكانت وزارة الصحة العراقية، أعلنت خلال عام 2012، عن وضع خطة لمعالجة ظاهرة الانتحار بين الشباب بعد تسجيل “أرقام متصاعدة” في معظم أنحاء العراق، مبينة أن الخطة تتضمن برامج تثقيفية عامة ومتخصصة للاقتراب أكثر من الشباب، والتعرف على الضغوط والمشاكل المؤدية إلى الانتحار، والعمل على إيجاد حلول علمية لها.

وكانت تقارير رسمية سابقة لوزارة الصحة العراقية، أكدت ارتفاع معدلات حالات الانتحار في البلاد، لاسيما بين الشباب، ووصولها إلى نسب تقترب من الظاهرة، وأن الرجال “أكثر انتحاراً” من النساء، وأن طرق الانتحار بدأت “تتم بطرق غير التي كانت معروفة والمسجلة سابقا بالنسبة للذكور والإناث”، وأن الطرق “الأكثر شيوعاً” للانتحار في العراق حاليا هي عن “طريق تناول العقاقير الطبية بكميات كبيرة للنساء”، “وإطلاق رصاصة على الرأس بالنسبة للرجال”، بعد أن كانت سابقا عن “طريق الحرق للنساء، والشنق للرجال”.

ورأت الوزارة أن أسباب الانتحار تتراوح بين البطالة والضغوط الاجتماعية والعنف الأسري، وتراجع الثقافة الروحية، فضلاً عن “عدم الاهتمام الحكومي الجدي بالشباب”، وذلك في مناطق متفرقة من العراق، منها الناصرية والبصرة والكوت والشطرة وتلعفر ودهوك.

 وتعتبر حالات الانتحار ظاهرة جديدة في مدينة الديوانية (180 كم جنوب بغداد) التي تتميز بطابعها العشائري وعلاقاتها الاجتماعية المتينة.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *