للكلام بقية

دخان وبنادق

رأي حر/تحسين الزركاني

تحسين الزركاني

تميزت التظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي حشّد لها منتصف أيلول الماضي، وازدادت الدعوات لها بعد أحال القائد عبد الوهاب الساعدي الى الامرة،  لتنطلق بعدة مدن وسط وجنوب العراق في اليوم الاول من أكتوبر الجاري بحسب موعدها، جيل جديد من الشباب قادتها هذه المرة، خريجين عاطلين عن العمل، طلبة مدارس وجامعات، لم تلوثهم أحزاب السلطة الفاسدة، او الكتل السياسية التي ملّ الشعب زيف وعود حكوماتها المتعاقبة منذ العام ٢٠٠٣ حتى اليوم، شباب تملؤهم الحماسة والإصرار، على الرغم من الماكنة الإعلامية التي حاولت قبل انطلاق التظاهرات من تشويهها وربطها بعذر العمالة المعتاد ومخططات الاجندة الخارجية، على لسان الحكومات الاتحادية والمحلية التي دفعت بفسادها وتغاضيها عن صوت الشعب أولئك الشباب للخروج الى الشوارع مطالبين بحق الانتماء للوطن، والحرية وكرامة العيش، الم تك تلك الفقرات التي أوردها الدستور العراقي الغبي، الذي شارك بوضعه ساسة البلاد وقادته اليوم.

الدستور الذي يتفاخر بإنجازه ساسة ما وراء الحدود ممن يتهمون اليوم العراقيون وشبابهم بالعمالة، والسؤال الذي يفرض نفسه من هم العملاء أولئك الذين يطالبون بحقهم بالحياة ويستقبلهم الرصاص، ام اللصوص وخدمة الاقليم وخارجه؟، الشعب الذي يقاسي سوء الخدمات وضنك العيش واهدار الكرامة في الداخل والخارج؟، ام من رحلّوا اسرهم خارج اسوار الوطن لينعموا بما سرق ابائهم من خيرات الوطن؟، ام عساه ذلك الشاب الذي التقيته الأربعاء ثاني أيام التظاهرات ليحدثني عن رغبته بان يكون مواطنا ويدافع بروحه وحياته من اجل البلاد، ام الساسة الذين أسهموا بإسقاط ثلث الأراضي العراقية بيد (داعش)، وباقي التنظيمات المسلحة للتغطية على ما نهبوه من الثروات، وما تم نهبه بذريعة تحرير تلك الأراضي، فأي عمالة وأجندة تلك التي عنها يتحدثون.

سالت بالأمس أحد الشباب المحتجين في الديوانية عن أسباب حماسته وتحشيده، فجاء الرد صاعقا “مهندس تخرج من سنتين يعيل تسعة نسمات بعد استشهاد أبيه في قتال داعش بالموصل، ليس لهم أي راتب او تعويض، استلم مع جنازة ابيه مليون دينار فقط، ما يعادل ٨٠٠ دولار امريكي، يحصل على ثلاثين الف دينار، ٢٥ دولارا فقط أسبوعيا من عمله في البناء، منزله مؤجر، وله ست شقيقات بالمدارس، ملزم بتوفير القرطاسية والملابس واجور النقل من والى المنزل”، فاين عمالته في ذلك؟.

استغربت اليوم الخميس الثالث من أكتوبر ما حدث امامي وسط مركز مدينة الديوانية، وصلت في الثالثة والنصف عصرا الى مكان تجمع المتظاهرين في تقاطع شارع المواكب والمصورين، لم يكن يتجاوز عدد المجتمعين الثلاثين شخصا، سالته احدهم كان يحمل علما عراقيا أي ساعة تنطلقون فاكد عزمهم على ان تكون الرابعة موعدا ثابتا لانطلاقهم كما هو الحال في اليومين السابقين، دخلت مطعما لتناول الغداء فما زال امامي متسعا من الوقت، لم اكمل رغيف الخبز، واذا بصوت صفارات سيارات الشرطة يطغي على أصوات الاطباق وعمال المطعم، ودوي الرصاص المتصاعد، خرجت لأتبين ما يحدث، واذا بعناصر امن يستقلون سيارة سوات سوداء، يشهرون فوهات بنادقهم صوبي ومن كان حولي من عمال المطعم واصواتهم تتعالى ادخلوا الى المطعم، تركت طبقي وخرجت دون وعي لأكون شاهدا على هجوم المسلحين بأنواع بنادق لم اشاهد مثلها سوى بأفلام الاكشن والاثارة، على أولئك الفتية العزل الذين لم يحملوا سوى علم ما يدعى بانه وطنهم، ازداد صوت الرصاص ومعه ازدادت نبرتهم حدة، هرب الشباب من تجمعهم، فلاحقتهم العناصر الأمنية، تجمعوا وانهالوا على احدهم ضربا بعصيهم السوداء، دون ان يكون له ناصر، الجري بالأزقة صار شعارا للجميع، وقفت قرب محل لبيع الشاي، اخذت قدحا واتصلت بزميل صحافي اصف له المشهد من حولي، واسمعه صوت الرصاص، واذا برجل يركض مسرعا لم يتمكن من مشاهدتي رغم طول قامتي، قلب قدح الشاي على ملابسي، زجرت به لما الخوف وممن، فقال “أخاف من مكروه أصاب ولدي فقد كان يقف في مكان التجمع”، خجلت من صوتي وسؤالي، تجمع حولي أصدقاء وزملاء بدأت اصواتنا ترتفع من هول ما يصنعون، فسحب بعضهم اقسام بنادقهم وطلبوا ان نتفرق، فانتقلنا الى تقاطع الفرق الموسيقية، واذا بخمسة سيارات (بيكب)، سوداء تلاحق المتجمهرين في التقاطع وصوت صفاراتهم المصاحب لصوت الرصاص ورائحة البارود، تصورت نفسي في البوسنة ابان حربها، وكأن منتسبي الاجهزة الأمنية مرتزقة من خارج اسوار الوطن، لكن كانوا بالفعل مرتزقة، فلا يمكن لعراقي ان يتعامل مع اخ في مواطنته على هذا النحو، اصطحبني زميل الى محله وسط أوامر المرتزقة وضجيج أصواتهم وسياراتهم التي لم تسمح لنا باي اتجاه اخر، اغلقنا باب المحل علينا وكانت فرصة لاقتناص مشاهد مرعبة يمارسها أولئك الرجال، ايقنت ومن كان في الشارع انهم من غير المدينة، تحريك القطعات بين المحافظات ليتعامل الغرباء بدون مشاعر او اخلاق، قد يكون رد فعل انتقامي لما حصل في اليوم الثاني من التظاهرات حيث أصيب قائد شرطة المحافظة بحجر.

السياسة الغبية في التعامل مع الازمات اثبتت بشكل لا يقبل الشك ان القادة ما هم الا لعب رخيصة بيد دول الجوار، كلاب صيد مدربة على ان تأتي بالفريسة ليربت لها على روسها، فتهز ذيولها رضا وفرحا، دون ان تشعر بتأنيب ضمير لأنها اعدمت منه جراء العمالة والجشع، وصلت منزلي هربا من تلك المشاهد، وبقيت على اتصال بالزملاء لمعرفة ما يحدث، اسقط الشباب تلك الهالة المدججة بالأسلحة، قد يكون للعبة البيبجي فضل في ذلك، فالتهامز والتلامز والشيفرات متفق عليها، وسيطروا على بعض الاماكن المهمة وسط المدينة، وصلوا الى المجمع الحكومي، وطردوا من كان يتواجد لحمايته، وانتقلوا بين الازقة والمناطق لتشتيت القوة المدافعة، ويتركوا اثرا لأندادهم باننا هنا.

لا يولد العنف الا مثله، وكما هي القاعدة ان لكل فعل رد فعل مثله يوازيه بالقوة ويعاكس اتجاهه، قُتل أربعة في ثالث أيام التظاهرات، عنصرا أمن ومحتجان وعشرات الجرحى، قد يكون الموت هذه المرة مقياسا للقوى، بين سيارات مصفحة وملثمون مدججون بالأسلحة والاعتدة، يقابلهم شباب بعمر الورود لا يحملون سوى اعلام الوطن الصغيرة وقناني المياه، هكذا هي الديموقراطية في العراق.

You are not authorized to see this part
Please, insert a valid App IDotherwise your plugin won't work.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *