العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

أطال الجندي صاحب سلمان كريم، (22 سنة)، الوJournalist Tahseen AlZrikinyقوف أمام المرآة ليلة التحاقه الى وحدته العسكرية التي كانت تتمركز في محافظة ذي قار(375 كم جنوب بغداد)، ليشاهد فيها نفسه وأخاه التوأم مرتضى، الذي يصغره بعشر دقائق، دونه علمهما انها المرة الأخيرة التي قد يشاهدان بعضهما.

قبل أن يلتحق صاحب إلى وحدته في ذي قار مع عدد من أصدقائه، أوصى شقيقه التوأم بان يهتم بوالديه، وان لا يقلق من شيء وعذره ان ذي قار آمنة ولا يوجد ما يثير القلق، لكن مرتضى استشعر بان تلك الكلمات لم تكن صادقة، وان شيئا غريبا يلوح في الأفق.

في الثامن من حزران 2014، وصل صاحب وزملائه الى مقر وحدتهم التي لم يمكثوا فيها هذه المرة أكثر من سويعات، قبل ان يبلغهم الامر بالتحرك الى محافظة صلاح الدين، وبعد يومين من بلوغوهم وجهتهم، جاءت الأوامر بان ينتقلوا الى قاعدة سبايكر، كان صاحب على تواصل مع اسرته لكن أغلب كلامه كان مع أخيه مرتضى، الذي كان هاجسه يدنو شيئا فشيئا من سوء يحاول ابعاده عن تفكيره، لكن نبرة صوت صاحب وطريقة كلامه ولهفته وتكرار وصاياه بوالديه كانت تؤكد خطرا قادما.

صبيحة الحادي عشر من حزيران اتصل صاحب بمرتضى باكرا، ليبلغه ان الوضع مربك وغامض، والجميع شبه منهار، في العاشرة من ذات الصباح اتصل مرتضى يطمأن على أخيه فقاطعه طالبا الحديث الى ابيه، كان يصف ما يحدث، “خرجنا من قاعدة سبايكر مجاميع بعد ان منحنا الآمر إجازة لخمسة عشر يوما، ونحن في الطريق نسير برتل واحد لا استطيع رؤية مقدمته، الجميع يهتف ضدنا بالنصر، لا اعرف ماذا يقصدون، مسلحون منتشرون يمنعون الجنود من الخروج عن الصف، قتلوا جنديا حاول الهرب، ابي سامحني ان أخطأت بحقك، سلم لي على والدتي واطلب منها ان تسامحني، ابي اريد ان اكلم روحي، مرتضى كذبت عليك يا نصف الروح لأني لم اشأ لك قلقا، اشعر بك وبخوفك ويأسك منذ اللحظة الاولى التي نظرنا فيها سوية الى المرآة هل تذكر؟، سامحني يا اخي وتأكد اني لست خائفا من شيء”.

موت التوأم

ويقول الشقيق التوأم لصاحب، مرتضى سلمان كريم، إن “اخر مكالمة كانت لنا مع اخي كانت في الواحدة ظهرا، ابلغ ابي بقتل زملائه الذين اقتيدوا بأربعة سيارات حمل في مكان واحد، كنا نسمع صوت اطلاق النار بقلق، صمت صاحب لدقائق، لن انساها ما حييت، بعدها طلب من ابي الغفران وتقبيلي وامي، ما ان اكمل حتى علا صوت الرصاص ثانية، لم اتمالك نفسي اخذت الهاتف عنوة من ابي، كنت اسمع شحرجة وانفاسا متقطعة صمتت بعد صوت رصاص جديد، لم اكن بحاجة لأكثر من ذلك لأتأكد من استشهاده، فروحي فارقت لحظتها وانتزعت مغادرة جسد الشهيد”.

ويصف كريم، الحكومات التي تغاضت عن “مجازر سبايكر والصقلاوية والانبار وغيرها بـ”المجرمة”، التي هانت عليها دماء أبناءها الذين استشهدوا ليبقوا في مناصبهم ليتنعم أبنائهم في أوربا ونعاني حسرة فراق احبتنا”.

ويلفت كريم، الى أنني “تطوعت بعد ان تسلمنا ما تبقى من رفاة اخي الى الجيش، وعندما عرف امر الوحدة بقصتي طلب مني البقاء في التاجي، فرفضت واستحلفته بالعراق وشهدائه ان ينقلني الى اكثر الوحدات المقاتلة لاقتص من المجرمين قتلة العراقيين، واليوم اقاتل مع وحدتي في الانبار، وأتمنى ان ننتقل الى الفلوجة لنحررها وننتقم من الإرهابيين”.

ثأر سبايكر

مئات الأسر اجتمعت بالحزن ليلة الأمس الخميس، في ساحة مسجد الحي العصري وسط مركز مدينة الديوانية، (180 كم جنوب بغداد)، لإحياء حفل تأبين واستذكار لشهداء العراق، نظمه ناشطون ورجال دين، حمل شعار(شهداء العراق شواهد على فساد الحكام والساسة) ،أشعلوا فيه الشموع وقدموا المساعدات والهدايا لذوي الشهداء.

ويصف والد الشهيد كمال الفتلاوي، أن “استشهاد أبنائنا في سبايكر من أجل العراق واجب علينا ولسنا بمعترضين على أمر أراده الله، لكن ان يتاجر بدمائهم ويتم التلاعب بنا لعامين كاملين بعدم اعلان نتائج التحقيق والمتورطين في اخراج أبنائنا من حصن منيع لم يكن من اليسير اجتيازه لا من داعش ولا من غيرها، ليذبحوا أمام اعيننا ويمثل بجثثهم ونحن نشاهد دون محاسبة تجار دماء العراقيين لن نسكت عنه”.

ويتابع الفتلاوي، أن “بيوتنا امتلأت من رائحة المسؤولين النتنة التي حاولت الضحك علينا بالتباكي على مصائبنا، أيام ضعف الدولة المنهارة، لكنهم تناسوا ابسط حقوق ذوي المفقودين والشهداء، لسنا بطلاب أموال او غنائم لكن نريد لأطفال أبنائنا الحياة الكريمة التي استشهد ابائهم من أجل تأمينها لهم لا ان نركن ونضرب عرض الحائط، فتلك الدماء الزكية برقاب ساسة العراق المتآمرين، وسنستردها بالثأر منهم وطردهم مع الإرهابيين الى ما وراء الحدود”.

جرائم إرهاب وحكومة

تعددت المجازر والجرائم الارهابية في العراق، وزاد حجمها بعد احداث حزيران 2014 التي ابتدأت بسقوط مدينة الموصل، (405 كم شمال بغداد)، لكن اكثرها رسوخا في ذاكرة العراقيين ما جرى في سبايكر والصقلاوية ومناطق عراقية عدة كان السبب ورائها حكومة خائنة نجت بفعالها في الدنيا لكنها ستقف مسؤولة أمام رب عادل، كما يرى رجل الدين، عايد الحسني.

ويقول الحسني إن “المجازر الوحشية التي ارتكبت بحق أبناء الشعب العراقي المظلوم كثيرة وعديدة، واحتفال اليوم التأبيني لاستذكار شهداء العراق في جميع مناطقه ممن ظلموا على يد الإرهاب الحكومي والداعشي على حد سواء، فلولا الخيانة لما سيق الاف الشباب في سبايكر الى المنية، ولولاها لما نحر اكثر من 400 جندي في الصقلاوية والسجر، ليمتد الظلم الى قتل عشرات المصلين والعزل وتملأ بهم السجون ظلما وجورا وعدوانا في احداث كربلاء، لتختلط الدماء الزكية بسيف جلاد واحد كان يحكم بالخيانة والظلم والاقصاء والتهميش حتى أضاع العراق”.

ويستدرك رجل الدين، أن “تهميش الحكومة لعوائل الشهداء وحرمانهم من مستحقاتهم عن دمائهم التي بها مكث الساسة حتى اليوم بعروشهم، امر مخز ومعيب ومشين، واستذكار اليوم واجتماع ذوي الضحايا من جميع المحافظات العراقية، شوكة نضعها في عيون اعماها طمع الدنيا وسلطانها وجاهها الزائل، ليتأكدوا أن مصابهم لم يؤلم الا العراقيون لا غيرهم”.

الخالدون

الخلود صفة ملازمة للشجعان ومن يسطر صور البطولة في التاريخ، وشهداء العراق جميعا عنوان ثابت يوجب على من عاش بتلك التضحيات ان يرد الدين والعرفان بكفالة ودعم أسر الشهداء كما يرى الناشط المدني عقيل الكرعاوي.

ويوضح الكرعاوي، أن “المجتمع العراقي بمنظماته وناشطيه وعامته مطالب اليوم بوقفة مشرفة تتزامن مع الذكرى الأليمة لجريمة العصر في سبايكر، مع ذوي الشهداء والمفقودين، الذين ظلموا لمرتين، باستشهاد أبنائهم وتهميش الحكومة لهم”.

وكان تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، أعلن في (15 حزيران 2014)، عن إعدام العشرات من طلبة كلية القوة الجوية في قاعدة (سبايكر)، شمالي تكريت، بعد أيام على تسليم أنفسهم، وفيما أكد أنه أفرج عن 800 من الطلبة بـ”أمر من ابو بكر البغدادي”، نشر صورا لعملية الإعدام، ولم يتسنى للمدى التأكد من صحة المعلومة من مصادر اخرى.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *