العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen AlZrikinyعام 1998 اكتظت احدى قاعات معتقل مديرية أمن الديوانية، التي لا تزيد ابعادها عن (12م×6م)، بنحو 500 سجين سياسي، كان من بينهم الناشط، نبراس رزاق (42 سنة)، ليغادرها بعد نحو عام حاملا معه وصمة مجتمعية ومرضا تسببا بحرمانه من حب حياته.

إصابة بالتدرن

ويقول رزاق، إن “أزلام نظام صدام اعتقلوني في مديرية أمن الديوانية عام 1998 لمدة عام كامل بسبب اتهامي بالتحريض على النظام الحاكم، واحتجزت مع نحو 500 سجين في قاعة لا تزيد أبعادها عن (12م2×6م2)، وقبل أسبوع من إطلاق سراحي جاء رجال الامن بمعتقل هزيل جدا يعاني من السعال الدموي، وألقوا به وسطنا، لم نكن نعرف ما به، كنا نعتقد انه من آثار التعذيب، قبل ان تظهر على المحيطين به اعراض الحمى والتعرق والخمول والسعال”.

ويوضح الناشط، أن “الرجل مات بعد سبعة أيام، وبعده بيوم واحد غادرت المعتقل، حاملا معي سعالا دمويا وتعرقا ليليا وخمول، كنت أعتقد انها اثار السجن وقلة الطعام، حتى راجعت بعد عدة أيام من خروجي من السجن أحد الأطباء، أجري لي الفحوص واكد إصابتي بتدرن فعال في الرئة، وأخضعني الى فترة علاج امتدت الى تسعة أشهر، كنت خلالها ملتزما بكل النصائح والتوجيهات الطبية، لم اترك يوما دوائي، وبعد انقضاء فترة العلاج اكتسبت الشفاء التام”.

ويتابع رزاق، أن “اول شيء فعلته بعد ذلك اقناع أهلي بخطبة حبيبتي التي كنا تعاهدنا على الزواج قبل اعتقالي، لكن أهلها رفضوا طلبي بذريعة الخوف على ابنتهم من العدوى، باعتبار ان السل مرض قاتل لا يمكن الشفاء منه، حاولت وبررت وأكدت لهم انني شفيت تماما لكنهم لم يقتنعوا”.

لحظة حاسمة

ويضيف الناشط، أن “لحظة خسارتي لحبيبتي كانت حاسمة بالنسبة لي، فقررت الزواج من أي امرأة والعمل على نشر ثقافة بين المحيطين تمهيدا للوصول الى شرائح أوسع من المجتمع لأبين لهم أن مرض “السل”، ليس عيبا او عارا، بل هو مرض كباقي الامراض ان لم يكن أهون منها، كونه قابل للشفاء اذا ما التزمنا بفترة العلاج”.

ويبيّن رزاق، أن “عدة حملات وبرامج شاركت بها بعد العام 2003، وحضرت الكثير من الندوات والمؤتمرات، كنت اقرأ الخشية والخوف فيمن يعرف باني كنت مصابا بالتدرن، لكن ذلك كان حافزا لأطيل الوقوف واتفاخر بما حققت لنفسي بعد إصابتي، أصبحت زوجا وأبا واعمل مع العديد من المنظمات المحلية والدولية التي تكافح التدرن، واروي لهم حكايتي التي امتدت الى نحو 17 سنة، وما زلت حيا”.

ويدعوا الناشط، جميع المنظمات المحلية ووسائل الاعلام، إلى “نشر الوعي والثقافة الصحية في المجتمع وحثهم على التعامل مع المصابين بالتدرن على انهم بشر، وليس قنابل موت ينفر منها الجميع ويهرب من حولها، لنسهم في رفع الحالة النفسية ونمنح المصاب سببا يتمسك من اجله بالحياة”.

وقد أعلن عن اكتشاف العصية المسببة لمرض التدرن الرئوي (السل)، في 24 من آذار 1882، عن طريق د.روبرت كوخ، وعد اكتشافه آنذاك ثورة في عالم الطب حيث مهد الطريق لتشخيص المرض وعلاجه.

وصمة اجتماعية

ماتزال نظرة المجتمع قاسية الى المصابين بأمراض التدرن على الرغم من تحويل نظام العلاج من طويل الى قصير الأمد (DOTS)، الذي لا يتجاوز الستة أشهر فقط، والذي حقق نجاحا كبيرا وسبب زيادة واضحة في أعداد من تم شفائهم بشكل كامل، كما يرى مدير العيادة الاستشارية للأمراض الصدرية والتنفسية في الديوانية الدكتور حسن شريف.

ويقول شريف، إن “العيادة اقامت بمناسبة اليوم العالمي للتدرن بالتنسيق مع دائرة الصحة العامة والمركز الوطني التخصصي للأمراض الصدرية والتنفسية بالتعاون مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة والمركز العام لجمعية مكافحة التدرن والامراض الصدرية وفرعها في المحافظة ودائرة صحة الديوانية، ندوة إعلامية تثقيفية مع وسائل الاعلام لتأسيس شراكة حقيقية تسهم في القضاء على مرض التدرن في العراق”.

ويوضح شريف، أن “العيادة قامت بعمل دراسات وأبحاث شاملة خلال السنوات الماضية، ونفذت العديد من البرامج داخل وخارج المؤسسة تهدف إلى نشر الوعي الثقافي والصحي وضرورة الكشف المبكر عن المرض لضمان فاعلية العلاج لشفاء المصابين به ضمن الجدول الزمني المخصص له على شرط التزام المصاب بمواعيد أخذ العلاج”.

ويوضح شريف أن “نسبة شفاء مرضى التدرن في الديوانية تجاوزت الـ 98%، نتيجة تكثيف البرامج وأشراك المجتمع المدني والمؤسسات الاعلامية في نشر الثقافة الصحية في الأماكن عالية الخطورة بالإصابة ومنها تجمعات النازحين”.

ويدعو شريف، إلى “رفع المستوى الثقافي والاقتصادي والتربوي للمجتمع العراقي، وتشريع قوانين تمنع تداول أدوية التدرن خارج إطار المؤسسات الصحية الحكومية، ودعم المصابين بالمرض مادياً ومعنوياً، وتغير نظرة المجتمع الدونية للمصابين بالمرض من خلال الثقافة الصحية، ليتمكن من إكمال رحلة العلاج الطويلة التي تمتد لستة أشهر، لنسهم جميعا بوقف السل والقضاء عليه بحلول عام 2030، بدلا من اكتفائنا بالحد من انتشاره”.

وينتقل السل عن طريق الهواء ويصيب أشخاصاً يعانون من ضعف في جهاز المناعة، فيما تشير الإحصاءات الدولية إلى أن واحداً من كل ثلاثة أشخاص يحملون جرثومة المرض في أجسامهم أي نحو ملياري شخص في العالم، غير أن هذه العصيات لا تنشط على مدى سنوات وعقود حتى يأتي يوم تضعف فيه المناعة لأسباب مختلفة فتنشط ويصاب الفرد بالمرض، كما أن وجه الخطورة في التدرن الرئوي يكمن في سهولة انتقاله من شخص إلى آخر عن طريق الهواء.

التدرن مرض الفقراء

ينتشر مرض التدرن بين الفقراء خاصة في المناطق المكتظة، ويتسبب المصابين بالمرض بنقل العدوى اذا ما كانوا مجبرين على العمل بسبب أوضاعهم الاقتصادية وحاجتهم الى العمل اليومي، وعليه يجب توفير دخل مناسب لهم أثناء فترة العلاج لتجنيب الاخرين مخاطر الإصابة كما يرى مدير البرنامج الوطني لمكافحة التدرن ومدير المركز الوطني التخصصي للأمراض الصدرية والتنفسية في العراق الدكتور عبد الستار أمين.

ويقول أمين، إن “حاجة المصابين بالمرض المادية تدفعهم الى العمل أثناء فترة العلاج، وعلى الحكومات والمنظمات الدولية والمحلية، تأمين رواتب مناسبة لهم تؤمن متطلبات حياتهم اليومية”، ويشير الى “سعي المركز الوطني الى اعفاء المصابين بالتدرن بشكل كامل من جميع الرسوم ومنحهم العلاج مجانا، لضمان عدم اثقال كاهلهم بالمصاريف الدوائية”.

ويتابع أمين، أن “دواء التدرن يكلف آلاف الدولارات في الخارج، لكنه في مراكزنا يوزع مجانا على المرضى لتشجيعهم على الالتزام بتناوله حتى اكتسابهم الشفاء التام ليعيشوا حياتهم اسوياء أسوة بأقرانهم”.

يذكر أن منظمة الصحة العالمية، أعلنت عام 2011، دعمها لوزارة الصحة العراقية في مساعيها للحد من انتشار مرض السل الرئوي، من خلال برنامج وطني لدحر السل.

الدور الإعلامي

رسائل الوعي والثقافة الصحية مهمة إعلامية إنسانية توجب على المؤسسات الإعلامية ايصالها الى جميع المواطنين، للتعامل مع المصاب بمرض التدرن على انه بشر لا يختلف عن الاخرين في شيء، بل يجب على المجتمع دعمه ومساندته ليتشجع على التمسك بالحياة، فالتدرن مرض قابل للشفاء بنسبة 100% اذا ما التزم المريض بفترة العلاج، رأي للإعلامي أحمد الجبوري.

ويؤكد الجبوري، على أن “الصورة الخاطئة عن المصابين بمرض التدرن في المجتمع على انه يجب الابتعاد عنهم خشية من العدوى يجب أن تتغير اليوم، بعد تطور العلم والطب وإمكانية شفاء المصابين به بشكل كامل، وهنا يأتي دور المؤسسات الإعلامية لنشر الرسائل الصحيحة بدلا عن النظرة الجاهلة والمفاهيم الخاطئة التي تجعل مريض السل منبوذا حتى في بيته”.

وكان أكاديميون ومختصون في محافظة الديوانية، أعلنوا في (الثالث من أيلول 2015)، أن العراق يحتل المرتبة الثامنة بين دول الشرق الوسط في حالات الإصابة بمرض التدرن، وفيما حذروا من تداول علاجه في الصيدليات العامة، أكدوا أن نسبة شفاء مرضى التدرن في الديوانية تجاوزت الـ96%.

وكانت دائرة صحة محافظة الديوانية (يبعد مركزها 180 كم جنوب بغداد)، كشفت في (24 آذار 2012)، عن تسجيل 457 إصابة بمرض السل الرئوي، وفي حين أكدت وفاة اثنين من المصابين، دعت إلى شمولهم برواتب شبكة الحماية الاجتماعية خلال فترة العلاج.

كما أعلنت عن أن المصابين يخضعون للبرنامج العلاجي الخاص بالمرض والذي تبلغ فترته ستة أشهر”، مشيرة إلى أن “ارتفاع نسبة الوعي لدى المواطنين بأهمية مراجعة العيادات المختصة، والتعامل مع السل من الأمراض القابلة للشفاء عند خضوع المصاب للعلاج بشكل منتظم مما أدى إلى تغطية نسبة 84% من المصابين بالمرض في المحافظة فيما تسرب 14 % من العلاج.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *