العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen AlZrikinyفقدت الآلهة التي أخضعت جميع ملوك وشعوب الحضارات الى سلطتها قبل آلاف السنين هيبتها واحترامها، وأصبحت تلك المعابد خاوية تحت ركام الأرض، بعد ان هدمتها فؤوس اللصوص والمستعمرين والإرهاب وساسة عملاء تجردوا من هويتهم واكتفوا بانتمائهم الأجنبي.

أبو حيدر (85 سنة)، من سكنة ناحية السنية (10 كم شمال الديوانية)، جلس ذات يوم ليذهل الجميع بما فعل، في منطقة (ونه وصدوم)، الأثرية، حين دفن عظاما نبشت من قبورها لينهب ما دفن معها، ويقرأ لها سورة الفاتحة ترحما عليها، وحين أخبره من كان معه أنها تعود الى آلاف السنين وليسوا بمسلمين، أجابه بأن اخلاقنا توجب علينا احترام أجدادنا الأموات لأنهم رمز هويتنا بغض النظر عن ديانتهم.

ويقول الناشط المدني، كاظم حسون، من سكنة ناحية السنية، إن “العم أبو حيدر فاجئنا عام 2005، عندما طوق الامريكان موقع (ونه وصدوم)، الأثري بالأسيجة والاسلاك الشائكة، بحجة تنقيب المنطقة وجعلها قبلة للسائحين والباحثين عن الاثار والتراث العالمي، لكنهم تركوها بعد عدة أيام من التنقيب والحفر، وطلبهم من العاملين معهم من أبناء القرية بعدم الحضور للموقع، وعند وصولنا وجدنا قبورا على شكل (أواني فخارية)، محطمة وجميع الجثث بوضع القرفصاء متناثرة في المكان”.

ويضيف حسون، أن “أبو حيدر جمع عظام كل جثة على حدة، وأخذ يحفر قبورا لها، وعندما انتهى من ذلك، بدأ بتلاوة سورة الفاتحة وياسين عندها، فأخبرناه بأنها ماتت قبل الإسلام، فاكتفى بالرد علينا بأنهم أجدادنا وهويتنا وارثنا وعلينا تكريمهم”.

وتقع مدينة (مرد)، القديمة على يمين المسافر من الديوانية الى بابل على بعد كليو متر واحد من ناحية السنية في موقع (الصدوم)، وكان موقعها على نهر (أرختو)، احد فروع نهر الفرات، وتعد احدى المدن العراقية القديمة المهمة، وتعود لعصور ما قبل الكتابة ويرجع اسمها الى التراث اللغوي الذي خلفه الفراتيون الأوائل، شأنها شأن العديد من المدن كـ(أور، وأريدو، ونفر، وبابل، وكيش، وأيسن، ولارسا،)، وغيرها، وفق نظرية العالم (لاندز بيركر)، التي تعتمد الدليل اللغوي أساسا لها، كما ورد اسمها في العصر الأكدي في نص كتابي مدون على حجر أساس وضع في اسس معبد الاله (لوكال مردا)، في مدينة مرد.

نهب الاثار

اثار العراق تنهب من جديدويوضح الناشط، أن “القوات الامريكية قامت بعد تغيير النظام بتحديد المكان وتسيجه، وفي بداية عام 2005، بدأوا تنقيب المكان بالتنسيق مع جامعة القادسية، كان المنظر مفعما بالحياة بعد اكتمال المرحلة الأولى من التنقيب، آثار الأولين واضحة جدا، لكن سرعان ما تغيرت الصورة، بعد أن قرروا دفن الموقع ثانية على الرغم من اعتراض أهالي المنطقة، فاتضحت لنا غاياتهم ان عملية التنقيب لم تكن من أجل العراقيين، بل من أجل نهب ما كانت تضمه المدينة الاثرية، التي لم ينجوا حتى الأموات من هدم قبورهم وسلب ما كان معهم من حلي ومصوغات”.

ويبيّن كاظم، أن “تهديم (داعش)، للمواقع الاثرية في الموصل لم يحصل قبل عام 2014، لكن ساسة العراق ودعاة تحرير شعبه من سطوة وظلم النظام، سبقوهم في ذلك فنهبوا ما نهبوه ودمروا ما دمروه لطمس الهوية والتراث والاثار العراقية”.

وكان لمدينة (مرد)، أهمية اقتصادية كبيرة في عهد سلالة أور الثالثة، إذ كان الملوك يرسلون عمال الحصاد لها، وفي العهد البابلي القديم أسس فيها (الأموريون)، حكما لسلالتهم أسوة بمدن (أيسن ولارسا وبابل ودير)، وغيرها، وفي العصر (الكيشي)، حظيت باهتمام ملوك (الكشييين)، حتى أنهم قاموا بإعادة بناء معبدها الرئيسي، وسور الحارة المقدسة فيها.

قبور ناطقة

على مدار عشر سنوات يجوب حارس الموقع، حسون بهيش أبو اللول، نحو عشرة دونمات مسيجة، ليشعر الجميع بأنه ليس بغافل، على الرغم من حرص سكنة المنطقة على الموقع، لكن جولاته اليومية لم تكن للحراسة فقط، بل ليكلم أجداده، ويروي له أحداث العراق السياسية والاقتصادية والأمنية كل يوم وما وصل له حال احفادهم.

ويقول أبو اللول، إن “أبناء المنطقة يرصدون أي سيارة غريبة تنزل الشارع المؤدي لمدينة (ونه وصدوم)، وبمجرد توقفها على مقربة تتوارد الاتصالات الهاتفية تستعلم عن القادمون، لتنبيهي فيما لولم اكن بالمكان الذي أتى احد منه”.

ويتابع الحارس، أن “خلوتي مع قبور اجدادي تمنحني راحة واطمئنانا لا يمكن وصفه، اشعر أحيانا اني اسمعهم، يعتصر قلبي الألم في كثير من الأوقات عندما اشاهد تقريرا وثائقيا عن المواقع الاثرية في دول العالم واتحسر، على مواقعنا الاثرية التي منها انطلقت للعالم الحضارات”.

وكان لمدينة (مرد)، مكانة مرموقة في العهد البابلي الحديث، خاصة خلال حكم الملك (نبوخذ نصر الثاني)، كما تعد أبعد المدن الأكدية الجنوبية، في حين تقع مدينة نفر في أقصى بلاد سومر الى الشمال وكلتا المدينتان تقعان ضمن الحدود الإدارية لمحافظة الديوانية.

استنكار

Journalist Tahseen AlZrikinyمجموعة من الناشطين في مدينة الديوانية، (180 كم جنوب بغداد)،أطلقوا يوم أمس الجمعة، على موقع التواصل الاجتماعي،(فيسبوك)، دعوة الى تنظيم وقفة احتجاجية في مدينة (ونه وصدوم)، الاثرية في الديوانية، لمناسبة الذكرى السنوية الأولى على هدم تنظيم (داعش)، اثار المتحف العراقي في الموصل.

في السادس والعشرين من شباط 2015، بث تنظيم (داعش)، مقطع فيديو تبلغ مدته 5 دقائق، يظهر مجموعة من عناصر التنظيم الملتحين في متحف الموصل يهدمون تماثيل ضخمة باستخدام المطارق وأدوات الحفر، من بينها تماثيل لآلهة تعود إلى حضارات بلاد الرافدين وتمثال للثور الآشورى المجنح داخل المتحف يعود تاريخه إلى القرن التاسع قبل الميلاد، الذي رمزا للحضارة الآشورية التي ازدهرت في العراق وامتدت سلطتها حتى وادي النيل.

وتقول الناشطة المدنية، كريمة محمود الطائي، إن “وقفتنا اليوم بين آثار أجدادنا رسالة شجب واستنكار للعمل الجبان الذي أقدمت عليه قوى الظلام (داعش)، الإرهابية التي نهبت ودمرت العراق وكل ما يدل على هويته وامتداده التاريخي”.

وتوضح الطائي، أن “الطامة الأكبر وجدناها في (ونه وصدوم)، المهملة بشكل كامل من الحكومات، بعد عبث القوات الامريكية بحجة التنقيب في الموقع سنة 2005، بحسب سكنة المنطقة”، وتدعوا “المسؤولين المحليين الى الاهتمام بالمواقع الاثرية وتنقيبها لتكون مواقع سياحية مدرة للثروة لمجابهة الازمة الاقتصادية التي يعاني منها العراق”.

Journalist Tahseen AlZrikinyوكان تنظيم “داعش”، قام بهدم جامع “الإمام مجاهد الدين” والشهير باسم “جامع الخضر”، في 26 شباط 2015، لتفقد الموصل معلماً دينياً تاريخياً اثارياً، يضاف الى معالمها الاخرى التي فقدتها، ويعد جامع الخضر جامعاً تاريخياً يقع وسط مدينة الموصل (شارع الكورنيش).يقع على شاطئ نهر دجلة، جنوبي الموصل، يبعد عن باب الطوب زهاء 500 متر، ويرجع تاريخ بنائه إلى 572هـ.

يذكر أن تنظيم (داعش)، قام في 24 شباط 2015، بهدم وتدمير مرقد وجامع النبي يونس الواقع على تلة التوبة في منطقة النبي يونس شرقي الموصل، بالكامل.

وكان تنظيم (داعش)، أعلن في (العاشر من حزيران 2014)، سيطرته بشكل كامل على مدينة الموصل والمدن المحيطة بها، ليعلن فيما بعد سيطرته على محافظة صلاح الدين وديالى والانبار.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *