العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen AlZrikinyحمل الشاب الصابئي المندائي، عمار ساجد مطر، أحلامه وامنيات المستقبل، واكتفى بالجلوس على ركام الذكريات، بين تاريخ أول الموحدين الذي يمتد الى أكثر من سبعة آلاف عام لبلد كان بالأمس عنوانا ورمزا واشعاعا للحضرات، لتمزقه اليوم حراب الأديان والقوميات والطوائف، وتجبر أقلياته على الهجرة بعيدا عن الجذور الممتدة في أعماق الأرض، بحثا عن كرامة العيش والملاذ الآمن، ليكون التعامل على الأساس الإنساني الذي يربط البشر ويضمن المساواة بينهم في دول المهجر.

ويقول مطر ، إن “أسرتي التي تسكن الديوانية قبل ولادتي، وأجدادي الذين سكنوا العراق منذ فجر التاريخ، وحلم المساواة في وطن ننتمي اليه وينتمي لنا، باتت تتبدد يوما بعد آخر، فبعد التهميش والاقصاء الذي عاناه الصابئة مع اخوتهم المسلمين والمسيحيين طوال العقود الماضية، امتد معهم حتى بعد تغير النظام عام 2003، بل اشتد سوئه، فها نحن اليوم تتناقص أعدادنا بسبب العقائد والفكر والسياسة والمجتمع”.

ويوضح الشاب، أن “الحكومات المتعاقبة على العراق في مرحلة ما بعد 2003، لم تشملنا كباقي الطوائف والقوميات بما هو حق لنا في وطن اختلطت على ارضه دماء آبائنا وأجدادنا، وورث الكثير من المفكرين والمبدعين والمثقفين في مجلات شتى، لا تعيين لحملة الشهادات ولا معبد نؤدي فيه عباداتنا أسوة بباقي الأديان، بل حرمنا حتى من مقبرة لدفن أمواتنا كما هو حق لجميع بني البشر”.

ويتابع مطر، أن “غالبية الشباب من الجنسين وأسرهم هاجروا الى خارج العراق وتركوا الديوانية، التي كانت تعد بالنسبة للصابئة من بين المدن الأكثر أمنا واستقرارا بالنسبة لنا، ولمسنا بالفعل تلك الطيبة الفراتية الجنوبية، لكن ساستها، لم ينتبهوا لنا يوما فغابت عنا أبسط الحقوق، ولم نعد نشعر بانتمائنا، على الرغم من مشاركتنا في جميع المناسبات والاعياد الدينية والوطنية دون ان نستشعر فارقا بيننا وبين أي مكون آخر”.

نزوح وهجرة جماعية

نزوح وهجرة جماعية أدتا الى انخفاض أعداد الصابئة المندائيين في العراق من 150 ألف اسرة الى نحو ستة آلاف، موزعة بين المدن العراقية ومن بينها الديوانية، التي تراجع أعداد الصابئة فيها من تسعين الى خمسة وثلاثين أسرة فقط، بسبب غياب مقومات البقاء في المحافظة والبلد، كما يرى رئيس مجلس شؤون طائفة الصابئة المندائيين في الديوانية ومعاون مدير عام شؤون ديوان أوقاف المسيحيين والايزيديين والصابئة المندائيين، خالد ناجي فرحان.

ويقول فرحان، إن “نحو ستين أسرة صابئية من أصل تسعين، تركت مدينة الديوانية بسبب غياب مقومات البقاء، لم نطلب المستحيل ولم نرغب بأكثر من دار عبادة نؤدي فيها طقوسنا وعبادة التوحيد التي نشترك بها مع المسلمين، وننصح فيها أبنائنا بعدم الهجرة والبقاء في البلد، لكن لم نحصل عليها حتى الان، على الرغم من تخصيص كامل المبلغ لمشروع مندى الصابئة في الديوانية، وكان من المفترض إنجازه نهاية عام 2012، لكن شركة الرشيد التابعة الى وزارة الإسكان ما زالت متلكئة في تنفيذه”.

ويتابع رئيس مجلس شؤون طائفة الصابئة المندائيين، أن “ديوان أوقاف المسيحيين والايزيديين والصابئة المندائيين، كان يدفع خلال السنوات الماضية مبلغ ثلاثين مليون دينار سنويا، لاستئجار مقرنا، لكن الازمة أثرت على التخصيصات، واضطررنا الى الخروج من المنزل المستأجر، ولم تكلف حكومة الديوانية نفسها تخصيص أحد البنايات الحكومية الفارغة، لنكون أسوة بباقي الأوقاف، لم نطلب أكثر من مقبرة لدفن موتانا، على الرغم من استكمال جميع الموافقات الأصولية حتى الآن”.

طفل مدلل يذبح بسكين أبيه

ويصف فرحان، أن “الأقليات في العراق يفترض أن تكون كما الطفل المدلل في حضن أبويه، لا أن تكون عرضة للقتل والترويع والتهميش والتهجير، ليضمن الغالبية بقائنا في اللوحة الجميلة التي ميز بها الله العراق عن باقي البلدان في تعدد الأديان والاعراق والقوميات والمذاهب، وهذه أهم أسباب هجرة أبناء الطائفة خارج العراق بحثا عن الملاذ الآمن والعيش الكريم”.

ويبيّن فرحان، أن “الطريق مسدود مع الحكومات المحلية والمركزية، التي تعطي اليسير وتسلب منا الكثير، فلم نتمكن كصابئة في الديوانية من تعين أحد منا باي من المؤسسات الحكومية منذ العام 2005 حتى اليوم، علما ان جميع أبنائنا خريجون وحملة شهادات عليا متنوعة التخصصات الإنسانية والعلمية، وقد طالبت جميع المسؤولين بدرجة واحدة فقط من كل عام دون جدوى، ولم نلمس خجلا أو حياء في أي مسؤول محلي او اتحادي”.

بين ديوانين

ويستدرك رئيس مجلس شؤون طائفة الصابئة المندائيين، أن “الدستور الذي ضمن حقوق جميع مكونات العراقيين لم يتعد الورق، فكل الدواوين تمتلك عقارات ومشاريع خاصة بها الا ديوان أوقاف الأقليات، ومع الأزمة المالية والتقشف أجبرنا على ترك البناية السابقة للمندى، ولجأت الى مدير الوقف السني في الديوانية، ففتح لنا قلبه قبل أبواب دائرته، وخصص لنا بعد زيارة رئيس ديوان الوقف السني الشيخ العلامة الدكتور عبد اللطيف الهميم، قاعة وغرفة لإدارة معاملاتنا وشؤننا، وعلى الرغم من الخطوة المباركة والجميلة الا اننا نشعر بانه ليس مكاننا، ولو استمع المسؤولون الى مرارة من بقي من الاسر المندائية لشعروا بالحزن العميق”.

قلوب مفتوحة

الحب والالفة والتسامح وقبول الاخر، تعاليم سماوية تجسدت في الرسالات، الامر الذي عكسه أبناء الديوانية تجاه الصابئة في المحافظة، لتفتح لهم القلوب قبل الأبنية، كما يصف مدير الوقف السني في الديوانية، علي ناصر.

ويقول ناصر، إن “الألم والفرحة امتزجت بما يمر به أخوتنا الصابئة المندائيين في الديوانية، لعدم اكتمال مشروع معبدهم الذي يوفر لهم مقرا للعبادة وإدارة شؤنهم، الذي تزامن مع التقشف الحكومي وقلة الأموال المخصصة لهم، وعدم قدرتهم على دفع ايجار المبنى الذي كانوا يشغلونه، وطلبهم في ان يكون مقرهم معنا في بناية الوقف السني، رحبنا به على الفور، لنبرهن للعالم أجمع معدن العراقيين الحقيقي”.

ويتابع ناصر، أن “معاناة الأقليات والحرب التي شنت ضدهم تقف خلفها أجندة تعمل على الإساءة الى المسلمين، بيد ساسة خانوا الدين والأرض والبلد، ليصورا للعالم وهما لن يكون لهم يسعون من خلاله الى تمزيق وحدة العراق أرضا وشعبا”، ويلفت الى أن “البناية وما فيها من محتويات تحت تصرف الصابئة المندائيين، وسعداء بتواجدهم بيننا، فالدين لله والوطن للجميع، وعلى الحكومات المحلية والاتحادية العمل على تذليل مشاكلهم للحد من هجرتهم التي ستسبب افراغ البلد من الوانه الجميلة التي تشكل أروع اللوحات في وطن يمتد تاريخه الى آلاف الاعوام”.

وكان الصابئة المندائيون في الديوانية، (يبعد مركزها 180 كم جنوب بغداد)، دعوا، في (الثامن من كانون أول 2012)، مجلس النواب العراقي والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، إلى تخصيص مقعد لهم في مجلس المحافظة، خلال الانتخابات المحلية المقبلة، وفي حين حظي ذلك بتأييد نواب عن المحافظة، أبدى رئيس مجلس المحافظة “استغرابه” من الطلب مؤكداً أن “لا حاجة” لمن يمثل هذه الطائفة لعدم اعتماد مثل هذا التقسيم بالنسبة للمكونات المحلية الأخرى.

وتعد ديانة الصابئة أحد الأديان الإبراهيمية، كما تعتبر أصل جميع الاديان الموحدة، ونظرا إلى تعاليمها فإن الدين الاسلامي أقرب الديانات إليها من بين كل الديانات والمذاهب، ويتبع الصابئة انبياء الله آدم، وشيث، وادريس، ونوح، وسام بن نوح، ويحيى بن زكريا، وقد كانوا منتشرين في بلاد الرافدين وفلسطين منذ فجر التاريخ.

وتعني كلمة الصابئة باللغة المندائية اصطبغ، غط أو غطس في الماء وهي من أهم شعائرهم الدينية وبذلك يكون معنى الصابئة أي المصطبغين بنور الحق والتوحيد والإيمان، وتدعو الديانة الصابئية للإيمان بالله ووحدانيته المطلقه بلا شريك، ومن جملة أسمائه الحسنى، (الحي العظيم، الحي الأزلي، المزكي، المهيمن، الرحيم، الغفور حيث جاء في كتاب الصابئة المقدس “كنزا ربا”، باسم الحي العظيم)، الذي أنبعث من ذاته وبأمره وبكلمته تكونت جميع المخلوقات والملائكة التي تمجده وتسبحه في عالمها النوراني، واعتبرهم مشايخ المسلمين من اهل الذمة لان جميع شروط واحكام اهل الذمة تنطبق عليهم، لكونهم أول ديانة موحدة، ولهم كتابهم السماوي، وانبيائهم التي تجلها جميع الاديان، مع ذكرهم بالقرآن الكريم، ولكونهم لم يخوضوا اي حروب طيلة تعايشهم مع الأديان الأخرى التي تلتهم بالتوحيد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *