لمشاهدة القصة على قناتي في اليوتيوب انقر الرابط أدناه

شاهد من هنا ماذا فعلت الطائفية في العراق

العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen AlZrikinyقليلون جدا أولئك الذين يعلمون موعدهم مع الموت، كان المقاتل وليد خالد العبيدي (32 سنة)، الذي نزح من مدينته الرمادي قبل نحو عام مع اسرته الى قضاء عفك (27 شرقي جنوب مدينة الديوانية)، من بينهم، فوضعه اختلف هذه المرة في اجازته الدورية، قبل يوم من التحاقه جلس بالقرب من أمه، وطلب منها ان يدفن في وادي السلام بمدينة النجف لو قتل على يد (داعش)، التي يحارب مع المقاتلين في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والحشد الشعبي ورجال العشائر، لإخراجهم من مدينته.

أرملة وأيتام

شعرت زوجة الشهيد وليد خالد العبيدي، بالريبة والقلق من وضع زوجها، وازداد خوفها من طريقة كلامه في آخر يوم من الاجازة معها بشأن أطفالها الأربعة، خاصة (تبارك) المعاق، ووجدان آخر العنقود مدللته التي تعاني من عدة أمراض.

وتقول زوجة الشهيد، إن “زوجي كان على غير عادته في جميع تصرفاته، كان سعيدا أكثر من اللازم دون سبب، وصيته لي في آخر ليلة جعلتني ارتعد خوفا وقلقا منه وعليه، كان يعلم أن أمرا ما سيحدث، حاولت تجاهل أسباب فرحه، بيد أن كلماته مع عمتي (أمه)، دفعتني لوهلة الى التفكير بالطلب منه عدم الالتحاق الى وحدته المشاركة في تطهير الرمادي من (داعش)، التي هجّرتنا من المدينة قبل نحو عام”.

وتوضح الأرملة، أن “وليد تطوع للقتال مع القوات المسلحة المشاركة في تطهير الرمادي بعد وصولنا الى قضاء عفك، من رحلة نزوح مرت بعدة محطات، توقعت استشهاده وكنت أخشى على اطفالي المعاقين يتم الاب، لكن كلماته ما زالت ترن في مخيلتي، عندما أوصاني بحب الوطن وضرورة الدفاع عنه بكل غال ونفيس، اخبرني ذات مرة ان الموت ليس نهاية المطاف، فنزوحنا بالنسبة له كان أشد فتكا من الموت بعد تخلينا عن حياتنا وذكرياتنا وكل ما نملك بسبب داعش، الم فراقه يؤلمني، لكن عزائي في انه ضحى بحياته من أجل الوطن وابنائنا لنعود ثانية الى ارضنا المحتلة”.

وصية دفن

وصية الانسان قبل الموت واجبة التنفيذ، وكرامة من الله يمن بها على من يشاء من عباده، وكانت خير وصية أسهمت في خلق حالة عجيبة بمدينة قامت بالعجب وصارت مثالا على وحدة العراقيين التي سعى الساسة الى هدم أركانها، كما يرى والد الشهيد خالد العبيدي.

ويقول والد الشهيد، إن “لي خمسة أبناء اجبرتنا سيطرة (داعش)، على مدينتنا الرمادي، لتركها والبحث عن منطقة آمنة نحيا فيها بسلام بعد خسارتنا كل شيء امتلكناه بحياتنا في لحظة واحدة، وعندما جاء نبأ استشهاد وليد، فكرت في كيفية ايصاله الى مقبرة السنّة في الرمادي، مع الأوضاع التي تشهدها المدينة هناك والحرب الدائرة بين اخوة وليد وزملائه في القوات المسلحة والحشد ضد (داعش)”.

ويتابع أبو وليد، أن “زوجتي أبلغتني بوصية ولدي قبل التحاقه، ورغبته بأن يدفن مع اخوته الشهداء في مقبرة وادي السلام بمدينة النجف، فوليد تطوع للقتال بعد أن شارك بتشييع عدد من الشهداء أبناء القضاء”، ويوضح أن “الم فراق ولدي الذي ترك أربعة أطفال بينهم معاقين اثنين، تبدد مع لحظة تجمع الناس حول منزلنا لاستقبال جثمانه، وتشيعه بأهازيج وكأنه ولدهم وأخيهم وابيهم، في مشهد تقشعر له الابدان، خاصة عند وصولنا الى مدينة النجف واستقبال ممثلي السيد السيستاني لنا وصلاتهم على جنازة ولدي وذهابهم معنا الى مثواه الأخير لدفنه مع الشهداء”.

شهيدان وإيثار

تضحيات وبطولة وفداء تجسدت في حرب العراقيين مع (داعش)، أثبتت انهم قوم لا يقهرون ولا يتفرقون، لكن ان يصJournalist Tahseen AlZrikinyل الامر الى ترك أب شيعي لجنازة ولده الشهيد، ويأتي الى تشييع وليد ابن الانبار السني، غاية الايثار ومثل يدرس عبر الأزمنة عن معاني الوحدة بين أبناء الشعب العراقي، كما يرى قائم مقام قضاء عفك، ماجد المنذور.

ويقول المنذور، إن “أبناء قضاء عفك أثبتوا للعالم أجمع من خلال مواقفهم الوطنية، اننا شعب واحد، يتألمون لجرح الرمادي وابنائها الغيارى، فبالأمس تسلمنا جنازتين، واحدة لشيعي من أبناء القضاء وضعت في حسينية (راية العباس)، والأخرى لوليد النازح السني من الرمادي مع اسرته التي وضعت في حسينية (الزهراء)، فتركت أسرة الشهيد الأول جنازة ولدهم في الحسينية، ووقفوا مع عائلة وليد وشاركوهم التشييع المهيب، والدفن ووقفوا معهم وكأنهم أهل المصاب حتى انتهى مجلس العزاء، عندها عادوا الى تأبين ولدهم”.

ويلفت المنذور، الى أن “هذا الموقف هو رسالة من أهالي الجنوب والفرات الأوسط والديوانية وقضاء عفك، الى (داعش)، كتبنا فيها ان العراق ارضا وشعبا وجد واحدا، ولن تنجح قوى الدنيا بتجزئته وتفريق أبنائه تحت عناوين طائفية لا وجود لها الا في عقول من لا يعرفون العراقيين”.

اهزوجة

(من عدم نمر النمر فتنة يريد، واحنة سنة وشيعة وحدنا وليد، هذا ابن انبارنا حر وسعيد، والبطولة تسولف باسمك وليد)، اهزوجة زف بها الشهيد وليد الى مثواه الأخير، ابكت القلوب قبل العيون ليس حزنا على موت الشهيد فهو حي عند ربه مع اخوته يرزقون، لكنها دموع الفرح بوحدة العراقيين كما يصف عم الشهيد صلاح العبيدي.

ويقول العبيدي، إن “دموع الفرح ملأت عيون كل من شارك في مراسيم التشييع، والاهازيج الفراتية التي زف بها وليد، التي اكدت على ان لا طائفية في العراق الا بعقول بعض الساسة الاغبياء الذين باعوا ضمائرهم بعمالة لتحقيق مصالح واجندة ما وراء الحدود، ولا تمت للعراقيين بصلة”.

ويوضح العبيدي، أن “الصلاة التي أقيمت على روح الفقيد في الصحن العلوي الشريف، ووقوف السنة والشيعة فيها مع بعضهم يصلون سابلي الايادي ومكتفين، بإمامة رجل دين شيعي، خير دليل وأجمل مشهد يمكن ان يراه المرء في حياته”.

طائفية

فيما يرى شيخ عشيرة العبيدي في الديوانية، خالد العبيدي، إن “اهزوجة (اخوان سنة وشيعة وهذا البلد ما نبيعه)، لم تكن مجرد اهزوجة لتندثر بين ركام التشهير والتسقيط السياسي، بقدر ما هي مشاعر جميع العراقيين من الشمال الى الجنوب، فالروابط بين مكونات الشعب العراقي عشائرية او دينية لا تقتصر عند تلك المسميات بقدر ما هي امتداد لتاريخنا الذين صنعناه معا كما هو حالنا سنة وشيعة مسلمين ومسيحيين وصابئة مندائيين، فالدين لله والوطن للجميع”.

زغاريد الأم

Journalist Tahseen AlZrikinyرحلة النزوح والتهجير من مدينة الرمادي قبل عام لأسرة وليد، اختتمت بزغرودة أم فقدت ولدا وتنتظر تضحية أخوته الاخرين، لتلبس ثانية غطاء رأسها وتستر مع بنات وزوجات الشهيد واخوته، ما كشفته (عصابات داعش)، عند سيطرتها على الانبار وعدة مدن أخرى، وسلبت منهم اجمل الذكريات، كما ترى أم وليد.

وتقول والدة الشهيد، إن “ولدي استشهد دفاعا عن وطنه، ابني بطل وشجاع كأخوته المرابطين في جبهات القتال للدفاع عن العراق وطرد زمر (داعش)، من المدن التي سيطروا عليها بالحيلة والمكر والترهيب، موقف أبناء القضاء عند وصول نعش ولدي، افقدني شعور الحزن فاطلقت زغاريد زفة عريس ليلة دخلته، تذكرت ذلك اليوم، ونسيت حزن فراقه الذي بدأ منذ اللحظة التي أوصاني بها ليلة التحاقه الى جبهات القتال، بان يدفن في النجف مع شهداء عفك، وليس في مقبرة الرمادي، نحن سنة ولنا طقوس وعادات، لكنها تبددت بوصيته”.

وتوضح الام، “لم أنم تلك الليلة، فقلبي أنبأني بخطب قريب، كنت اترقب كل لحظة رنين جرس الهاتف او باب المنزل، لأسمع خبرا مؤلما، لكن رسولي لم يكن بصوت الاجراس، بل اهازيج كانت تقترب من البيت، لم تكن واضحة لطريقة ترديدها الفراتية بين الجموع، لبست عباءتي وخرجت الى باب البيت، فشاهدت المئات يزفون نعشا لف بالعلم العراقي، بدت الكلمات تتضح مع كل خطوة يجتازها المشيعون، (العدم نمر النمر فتنة يريد، واحنة سنة وشيعة وحدنا وليد)، كان اسم ولدي يردد بينهم فخلته تشابه أسماء رغم يقين قلبي بان ولدي العريس، وتأكد ذلك حين سمعت (هذا ابن انبارنا حر وسعيد، والبطولة تسولف باسمك وليد)، فاطلقت الزغاريد لاستقبل جثمان ولدي”.

وتضيف أم الشهيد، أنني “دعوت أبنائي الأربعة الى الفرح والبشرى بما ناله وليد، والسير بخطاه، فالوطن والأرض والعرض تستحق التضحية بالنفس، سنة وشيعة لبسوا ذات الرداء على النعوش، العلم العراقي الذي يجمعنا بالشهادة كاف لان يجمعنا بالحياة والمصير في الحياة”.

يذكر أن تنظيم (داعش) يسيطر على أهم وأبرز مدن الأنبار منذ عام تقريباً على الأحداث والمعارك والمواجهات بين القوات الأمنية والعشائرية ومن أبرز المناطق التي هي تحت سيطرة التنظيم هي الفلوجة والقائم الحدودية بين العراق وسوريا وهيت وراوة ونواح أخرى منها كرمة الفلوجة القريبة من حدود العاصمة بغداد.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *