العراق/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen AlZrikinyبعض الأسماء الواردة في القصة مقتبسة لرغبة أصحابها خوفا من التبعات المجتمعية أو الملاحقة القانونية.

أنهى الطفل جاسم عزام (13 سنة)، يومه دون الحصول على ما اعتاد عليه في سائر الأيام، فزبائنه هذه المرة كانوا منشغلين في مراسيم الزيارة الأربعينية، التي يحرص المسلمون الشيعة على أدائها في العشرين من صفر كل عام، جاسم الذي يتخذ من تنظيف زجاج السيارات المتوقفة في تقاطعات الطرق والإشارات الضوئية مصدرا لمعيشته، ليكسب منها رزقه ويؤمن طعام أسرته، التي تعيش في قرية نبذ ساكنوها، وأصدر عليها المجتمع حكما بالنفي، لا لشيء إنما بسبب هويتهم كغجر.

وتقع قرية الزهور التي يسكنها الغجر، (الكاولية)، في أطراف ناحية آل بدير 20 كم شرقي مدينة الديوانية، أما ملحقها الإداري فيتبع الى ناحية الشافعية (7 كم غربي مدينة الديوانية)، وتسكنها 325 أسرة، هاجرت غالبيتها متخفية بسبب التضييق ونقص الخدمات الى أماكن مجهولة.

ويقول عزام، إن “أمي تستجدي في أحد التقاطعات، أما أنا وثلاث من أخوتي امتهنا تنظيف زجاج السيارات، لنؤمن قوت يومنا وشراء الطعام والحاجيات الضرورية لجدتي المقعدة”.

ويوضح الطفل، أن “والدي عاطل عن العمل، ويعتمد علينا في تأمين سجائره ومصروف جيبه، بعد أن يأس من الحصول على عمل، فكل مكان يقصده يطرد منه بمجرد معرفة هويته (غجري)، لذلك قرر البقاء مع الكثير من أقاربنا الرجال، في القرية وتكليفنا بالعمل نيابة عنهم لان الناس قد لا تعلم او تتجاهل هويتنا”.

عشرون سنتا

ويضيف عزام، “أتعرض كل يوم مع إخوتي الى الكثير من المضايقات والتجريح، لكننا مضطرون للتغاضي فنحن بالفعل غجر، ويؤلمني جدا أن أنظف زجاج أحدهم فيتركني دون إعطائي (250) دينارا عن ذلك، تعادل (20) سنتا، لكني مجبر على الصمت، والركض للبحث عن سائق آخر، يعوض ما أخذه غيره مني، وكنت أحصل من عملي هذا كل يوم على نحو (10 الى 15) ألف دينار، ويتفاوت المبلغ بيني وبين أخوتي، وهو كاف لتأمين احتياجاتنا ومتطلبات أسرتنا”.

ويبيّن الطفل، أن “نساء قريتنا وأطفالها موزعين على عدة تقاطعات في المدينة، نخرج سوية مع الفجر بسيارات تقلنا الى مركز المدينة، وتوزعنا على مناطقها، وتعود لنا في المساء لتعود بنا الى منازلنا”.

قرية الزهور التي أحيطت من جميع جهاتها بخنادق صناعية ومواقع لطمر النفايات، ليس لها سوى مدخل واحد، يمر بقوة مشتركة من الأجهزة الأمنية تمنع دخول الغرباء الى القرية، بذريعة الحفاظ على أمنهم، وتفتقر الى بناية مدرسية أو مركز صحي أو أي خدمات بلدية كغيرها من القرى.

مظلومون

Journalist Tahseen AlZrikinyويقول سالم صبيح، أحد سكان القرية، إن “كثير من المنظمات الدولية والمحلية ووسائل الإعلام وصلت الى القرية، وكل منها تعدنا بأن يكون لنا مدرسة أسوة بالقرى الأخرى، للخلاص من الأمية والجهل المكتوبان على جبيننا، أو مستوصف صحي بدل الكرفان الذي ليس فيه سوى (حب البارستيمول)، لعلاج الصداع أو ارتفاع درجات الحرارة، لكن لدغة الأفعى أو العقرب أو كسر اليد ليس له علاج في الكرفان، وعلينا نقل من يصاب الى المستشفى ان استطعنا لذلك سبيلا خاصة في الليل”.

ويتابع المواطن، أن “القانون والمجتمع ظلمنا، فهوية الأحوال المدنية التي وضع فيها صفة الغجر بدل اللقب، وتأشيرة شهادة الجنسية العراقية بكلمة الاستثناء، حرمتنا العمل في أي مكان، وبقينا اليوم بعيدين عن العهر والمجون الذي نوصف به، ونحرم بسببه من حق مواطنتنا وجنسيتنا، على الرغم من أدائنا واجباتنا كمواطنين، لنجرد من تصنيفنا ضمن بني البشر”.

الهروب من القضاء

ليس الغجر وحدهم من يعاني ضياع حقوق المواطنة في العراق، فغالبية البدو لا يمتلكون وثائق رسمية بسبب ترحالهم المستمر، وعدم اكتراث كبارهم في السابق بالحصول على الجنسية أو فهم ما تعنيه حتى، إضافة الى التهرب من التجنيد الإلزامي في زمن النظام السابق، الذي سبب اليوم مشاكل عديدة للكثير منهم.

يومان من البحث في عدة مناطق خارج مدينة الديوانية، وسؤال كل من نصادفه، أوصلتنا الى تجمع للبدو الرحل في منطقة (ال حمد 40 كم جنوبي شرق الديوانية).

ويقول المواطن، مزهر جبل، إن “كثرة الترحال والتنقل في البرية بحثا عن العشب لإبلنا، ضيعت علينا حق الحصول على وثائق رسمية أسوة بالمواطنين، وتعودنا ذلك ولم نعد نهتم به كثيرا، كما أننا متعودون على تعدد الزوجات وكثرة إنجاب الأطفال، وأخاف مراجعة أي جهة حكومية، وسمعت أن القاضي يحكم من تزوج خارج المحكمة بالسجن، فأي حكم سيصدر بحقي وانا متزوج من ثلاث نساء ولي 15 ولدا وبنتا كلهم غير مسجلين، بدون الوصول الى المحاكم”.

ويضيف جبل، أن “جميع من أعرفهم من أقاربي غير مسجلين، ولا يمتلكون وثائق، فنحن وأطفالنا لا نعرف القراءة والكتابة، وليس لنا موطن دائم، فالعشب غايتنا لرعي إبلنا، والبرية مقصدنا ولا حاجة لنا بالمدن ووثائقها”.

مساع دولية لعديمي الجنسية

Journalist Tahseen AlZrikinyالمنظمات الدولية والمحلية خصصت برامج عدة لضمان حق المواطنين في امتلاك الجنسية، وأعلنت لجنة الإنقاذ الدولية (IRC)، كشريك تنفيذي للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، للعمل على حماية حقوق الانسان للمتضررين من النزاع، بفتح مراكز المساعدة والحماية القانونية لعديمي الجنسية او المهددين به في بغداد وواسط وديالى والديوانية.

ويقول راصد الحماية لعديمي الجنسية، في لجنة الإنقاذ الدولية (IRC)، حسين عناوي رهيو، إن “البرنامج الخاص بعديمي الجنسية أو المعرضين لخطر انعدامها، الذي تشرف عليه لجنة الإنقاذ الدولية، تمت المباشرة به في مدينة الديوانية في 29 آذار 2015، لتسهيل الإجراءات القانونية، والمساعدات المالية لفئات النازحين في عام 2006 و2007، والبدو الرحل والتركيز على أقلية الغجر في العناية”.

ويبيّن رهيو، أن “أكثر من 233 أسرة غجرية غادرت قرية الزهور، ولم يبق اليوم سوى 92 أسرة فقط، بسبب التهميش ونظرة المجتمع الدونية وحرمانهم من أبسط حقوقهم”، ويلفت الى أن “290 طفلا حرم من الدراسة في القرية بسبب عدم وجود مدارس قريبة ليصبح الجهل والأمية سمة ملازمة لهم”.

ويوضح راصد الحماية، أن “اللجنة في الديوانية تمكنت من إحصاء 190 ملفا، انجز منها 133 ملفا، ونجحنا في استصدار وثائق ثبوتية لهم (جنسية، شهادة جنسية، بطاقة سكن، إثبات نسب)”، ويشير الى أن “الاجتهادات الشخصية في بعض الدوائر الحكومية تسببت بتعطيل 37 ملفا، كما يتحمل بعض المواطنين السبب لعدم التزامهم بالمواعيد معنا، أو بسبب الفقر وعدم امتلاكه أجور النقل ليصل لنا، أو الترحال خاصة بالنسبة للبدو”.

ويدعو رهيو، الحكومة المحلية في الديوانية الى “توفير الإمكانيات التي تتيح لنا حرية العمل مع الفئات المستهدفة، والورش التي عقدت ضمن البرنامج خلال الفترة الماضية كانت تهدف الى تحقيق ذلك التعاون، ونسعى حاليا الى فتح مكتب للجنة في المحافظة لضمان تنفيذ برامجنا بدعم من الحكومة”.

عزلة سببها نقص التشريعات

Journalist Tahseen AlZrikinyنقص التشريعات البرلمانية والمحلية سبب في تفاقم أزمة الغجر بعزلتهم عن المجتمع على الرغم من توقيع العراق على العديد من المواثيق والمعاهدات الدولية التي تضمن حق العيش بكرامة لجميع العراقيين بغض النظر عن لونهم ومكونهم ومهنتهم.

ويرى رئيس اللجنة القانونية والتنسيق في مجلس محافظة الديوانية، أياد طليع الميالي، أن “العزلة عن المجتمع التي يعاني منها عديمي الجنسية والمهددين بمخاطر فقدانها، وحرمانهم من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية يوجب على الجميع العمل بجدية لحماية حقوقهم، وقد أبدت حكومة الديوانية استعدادها الى اتخاذ القرارات وإصدار التشريعات التي تضمن لهم حق الحياة الكريمة”.

ويؤكد الميالي، على أن “البدو الرحل وسكان قرية الزهور محرمون من أبسط الخدمات، وسنعمل على توفير ما نستطيع منها في ظل الظروف الاقتصادية التي يمر بها البلد”، ويشير الى “الحاجة الى تشريعات برلمانية ومحلية تراعي دمجهم مع المجتمع، وتوفير فرص العمل والمشاريع الصغيرة المدرة للأرباح لتأمين الحياة الكريمة لهم، كفيلة بأن تكون بديلا ناجحا عن امتهان أطفالهم ونسائهم للتسول أو السلوكيات المنبوذة في مجتمع محافظ”.

رفع اللقب من هوية الأحوال المدنية

وأصدرت وزارة الداخلية العراقية الى مديريات الجنسية في المحافظات، تعليمات تقضي برفع صفة الغجري من هوية الأحوال المدنية وكلمة الاستثناء من شهادة الجنسية، وأصبحت نافذة العمل للمساواة بين المواطنين.

ويوضح مدير شؤون الأحوال المدنية في الديوانية، العقيد علي كاظم، أن “تعليمات صدرت من الجهات العليا توصي بمعالجة قيود الغجر، ورفع كلمة (غجري، كاولي، قرج)، من حقل اللقب والمهنة في هوية الأحوال المدنية، بمجرد تقديم المواطن طلبا الى دائرة أحواله المدنية بحسب مسقط رأسه، ليتم ترويج معاملته وفق الأصول، بموجب الاستمارة 25، لنصدر له قرار إداري وفق المادة (17)، ويمنح هوية أحوال جديدة خالية من اللقب”.

ويستدرك كاظم، أن “التعليمات نصت على رفع كلمة الاستثناء من شهادة الجنسية العراقية، وإصدار شهادات جنسية جديدة خالية من أي كلمة أو صفة تدل عليهم، أسوة بباقي المواطنين”.

وكان مجلس النواب العراقي أصدر في (7 من مارس 2006)، قانون الجنسية العراقية رقم 26 لسنة 2006، “بغية توحيد الأحكام الخاصة بالجنسية العراقية وإلغاء النصوص المتعلقة بإسقاط الجنسية العراقية عن العراقي الذي اكتسب جنسية أجنبية، ولتمكين العراقي الذي أسقطت عنه تعسفا الجنسية العراقية من استردادها وفقا للأصول، ولغرض ربط العراقي بوطنه أينما حـل في بقاع العالم ودفعه الى الانتماء الى تربة العراق رغم حصوله على جنسية أخرى شرع هذا القانون”.

ونصت الفقرة (9)، من تعميم وزارة الداخلية، الذي ورد فيه (بالنظر لصدور قانون الجنسية العراقية رقم 26 لسنة 2006، وحيث أن التعاميم السابقة التي صدرت في ضوء قانون الجنسية العراقية رقم 43 لسنة 1963 (الملغي) أصبحت تتعارض مع أحكام القانون النافذ أعلاه، عليه ينفذ ما يلي: (9- لا يجوز منح شهادة الجنسية العراقية للغجر من مديرياتكم، وإنما تستكمل إجراءات المعاملة وفق التعليمات السابقة المبلغة اليكم وترسل المعاملة الى مديريتنا للنظر بها).

وكان ناشطون في محافظة الديوانية، (180 كم جنوب العاصمة بغداد)، أطلقوا حملات عدة لمناصرة الغجر والمطالبة بحقهم في الحياة كان آخرها حملة (الغجر هم أيضاً بشر).

ويرى بعض المؤرخين أن الغجر في العراق يشكلون أقلية عرقية حيث يتراوح عددهم بين 50 و200 ألف نسمة، ينتشرون في جماعات صغيرة على عموم العراق ويسكنون في تجمعات قروية أو بشرية عادة ما تكون منعزلة عند أطراف المدن أو الأقضية، حيث توجد تجمعاتهم في بغداد- ابو غريب والكمالية – والبصرة – شارع بشار وحي الطرب على طريق الزبير- والموصل في -هجيج والسحاجي- إضافة إلى بعض القرى في سهول جنوب العراق كالديوانية -قرية الفوارة- والمثنى ومنطقة -الفجر – في الناصرية.

ويعتقد البعض أن كلمة (كاولي) تعني (كابولي)، أي قادم من كابول عاصمة افغانستان، وهذا الجواب يحمل شيئاً من الحقيقة، كما يقول اللغوي العراقي الراحل مصطفى جواد، فالغجر أصلهم من الهند وافغانستان وخصوصاً المناطق الجبلية في هذه المناطق، فبشرتهم ولون عيونهم وقوامهم تشبه سكان جبال الهند وافغانستان، وقد بدأ هؤلاء الأقوام يصعدون الى الشمال الغربي منذ الألف الثاني قبل الميلاد، ودخلوا بلاد فارس ثم نزلوا السهل العراقي في الألف الأول ق.م. وكانوا بدواً رحلاً يعتاشون على منتجاتهم الحيوانية خصوصاً الحليب وأيضاً امتهنوا مهنة الرقص والغناء التي حملوها معهم من ديارهم ليمارسوها في أفراح المناطق التي ينزلون جوارها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *