العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen AlZrikiny

شاء الزمان لسمية ذات (التسعة أشهر)، ان لا تضم لصدر أمها أو تستشعر دفء حنانه، وتستطعم حليبه كما كان نصيب أخواتها، فقصة الأم مع الأقدار وما خطت لها ولآخر العنقود، أمر من مرارة الصبر على البلاء.

وتروي أم سمية (٣١ سنة)، قصتها وتقول، إن “العلم والمعرفة نعمة من الله على خلقه، ولا اقصد هنا معرفة القراءة والكتابة فقط، بل الحرص على التعلم من كل ما يحدث حولنا وتجارب الآخرين، وان نتناس غرورنا بمعرفة كل شيء لنتعلم المزيد”.

وتوضح أم سمية، أن “غدة تحت أبطي ظهرت بعد ولادتي لابنتي الثالثة بأشهر، كانت تؤلمني حين اضغط عليها، لكن من دون الاكتراث لها، وخلال حملي بسمية، بدأ الوجع يزداد شيئا فشيئا، وأحسست بغدة أخرى أسفل صدري الأيمن، فقلت انها إفرازات الحمل والغدد ونشاط الهرمونات ليس إلا، فصبرت نفسي، وتجاهلت الأمر حتى ساء وضعي وأصبح الألم لا يحتمل، والأورام بدت واضحة وجلية في جهتي اليمنى، فأخبرت زوجي بذلك، وذهبنا بذات اليوم الى احدى الطبيبات”.

وتتابع الأم، “ما أن أخبرتها بأعراضي، استاءت وطلبت مني الصعود فورا للكشف السريري، ففعلت، أحسست بعينيها ريبة وامتعاضا حين سألتني، كم مضى عليك وأنت بهذا الحال؟، أجبتها أكثر من عام!، فسألتني هل أنت متعلمة؟، أجبتها نعم!، فقالت ألا تعرفين عن أورام اثدي شيئا؟، فصمت وعرفت ما الم بي”.

وتستدرك أم سمية، “فأرسلتني الى أحد الأطباء المختصين ليأخذ مني مسحة للتحليل ومعرفة نوع الورم إن كان حميدا أو خبيث، وبعد سبعة أيام وصلت نتائج التحاليل، وكان حدس الأطباء في محله، إذ كان الورم خبيثا وامتد الى ثديي الأيمن، وقرروا إجراء عملية لاستئصاله خوفا من انتشاره في باقي جسمي”.

وتضيف أم سمية، أن “القرار كان صعبا للغاية، بين فقدان أنوثتي، أو حرمان بناتي الثلاثة مني لو انتشرت خلايا السرطان في باقي أجزاء الجسم، فاتفقنا أنا وزوجي على التضحية بالجزء للحفاظ على الكل، ولا اقصد الكل هنا بباقي الجسم، إنما الأسرة، على أن تجرى العملية بعد ولادة الطفلة سمية مباشرة، شريطة بقاء الأمر سرا بيني وبينه فقط”.

وتبيّن الأم، أن “أصعب موقف مررت به في حياتي، كان لحظة ولادة سمية وسماع صوتها تبكي جوعا رغبة في حليب أمها وصمغته، وإحساسي بدَّر الحليب من صدري لها، لكن الأطباء كانوا قد منعوني من ذلك، فاكتفيت بالحزن والدموع والبكاء، وعشت مع ذلك الكابوس ثلاثة أشهر رضعت فيها ابنتي حليبا صناعيا بخلاف شقيقاتها، حتى موعد إجراء عمليتي”.

وتضيف أم سمية، أنني “ذهبت في يوم العملية مع زوجي، وأجرى الطبيب جراحته، وحين أفقت من التخدير، لم أتمالك نفسي وانتابتني نوبة من الجنون حين نظرت الى صدري، كيف سأعيش ما بقي لي من العمر كنصف أنثى، وانا أجهل إن كنت قادرة على الحفاظ على زوجي كما كنت قبل إصابتي”.

أورام حميدة بالسواد الأعظم

أورام عدة حميدة منها وخبيثة تصيب النساء في العالم والعراق، وزيادة أعداد المصابات بالأورام خاصة تلك التي تصيب الثدي ناتج عن زيادة الوعي الثقافي لدى النساء ومراجعتهن للشعب والوحدات المختصة للكشف عن أنفسهن، كما يرى مدير شعبة السيطرة على أمراض السرطان في الديوانية، الدكتور عادل كريم البديري.

ويقول البديري، إن “الوحدات والشعب التخصصية تسجل أكثر من عشرين مراجعة يوميا، تكون نسبة المصابات منهن بسرطان الثدي من (١ـ٢) إصابة، وتبلغ النسبة المئوية من المراجعات المؤكدة بالأورام الخبيثة بين النساء تتراوح بين (٧-٨ بالمئة)، فيما تشكل النسبة الباقية السواد الأعظم، من الأورام الحميدة”.

ويضيف البديري، أن “الأورام التي تصيب الحوامل لا تعني الإصابة بالسرطان، فالحامل تفرز خلال فترة الحمل هرمونات وسوائل من قنوات الحليب، لكن تبقى المراجعة مهمة جدا متى ما شعرت المرأة بورم في الغدد تحت إبطيها أو ثدييها، والفحوصات التي نجريها والتحاليل، أن أثبتت إصابة ما فان إجراءات جراحية يجب اللجوء اليها اذا ما لم نسجل استجابة للعلاج، خشية من انتشار الورم في باقي أجزاء الجسم، ولذلك ندعو وننصح بالكشف المبكر والفحص الدوري خاصة عند النساء، لتسنى لنا انقاد حياتها وأسرتها من التهديدات”.

وتشير الإحصائيات الرسمية الى تسجيل إصابة ٥٢٨ امرأة في الديوانية عام ٢٠١٤، توفيت منهن ١٢٩ امرأة، فيما تم علاج الأخريات بعد السيطرة على الأورم.

ويحذر مدير شعبة السيطرة على أمراض السرطان، من “انتشار الورم في الغدد اللمفاوية، التي تزيد نسبة الموت الى نحو التسعين بالمئة”، ويشير الى أن “زيادة عدد المصابات بسرطان الثدي، ناتج عن الوعي الثقافي بين النساء، ومراجعتهن الى الوحدات والمراكز والأقسام السرطانية، للكشف المبكر عن المرض، إضافة الى زيادة النسبة السكانية والنفوس في المحافظة”، ويؤكد على أن “نسبة الإصابة بالأمراض السرطانية ارتفع في الديوانية خلال السنوات العشر الماضية من ١٠-١٥ بالمئة”.

ويدعو البديري، الجهات المعنية ومنها البيئة ومنظمات المجتمع المدني الى “تقديم الدعم والإسناد بالتقارير والدراسات التي تحدد أماكن زيادة أعداد المصابين وأسباب الإصابة بالأورام السرطانية، لنحدد المشكلة ونتكاتف جميعا للحد منها”، ويطالب “الأزواج بالوقوف مع نسائهم، وحثهن على الكشف البسيط المستمر، وعدم إشعار المرأة في حال استئصال ثديها بانها فقدت أنوثتها، أو أصبحت معاقة لان ذلك يؤثر بشكل كبير على معنوياتها ونفسيتها، وتكون عرضة للانتكاس”.

ويشكل استئصال ثدي المرأة أو كلاهما عند كثير من الرجال، فقدان لأنوثتها، وتتغير طباع الأزواج مع نسائهم، ويتخلون عن وعودهم ودورهم في الشراكة، كما حصل مع أم سمية.

وتقول أم سمية، إن “الأوضاع انقلبت راسا على عقب بعد رجوعي من المستشفى الى البيت، مع تغير مزاج زوجي وحدّته، التي استجدت كمنهج جديد في التعامل معي، بدأت اشعر بابتعاده مرة واحدة، كثرة الأوقات خارج البيت، مزاج متعكر وعصبي، لا يتقرب مني، سألته كثيرا عن السبب دون رد، حتى نشب شجار بيننا ذات يوم، فاستهزأ بي ومن صدري ووصفني بالمعاقة”.

وتتابع الأم” أن “الأوضاع بيننا باتت تزداد سوءا يوما بعد آخر، وكنت في كل يوم أتمنى الموت حين أتذكر وعده لي وتنصله منه، وتمنيت في كثير من الأوقات لو أنى لم اجر العملية، وسمحت للسرطان بالانتشار في جسدي، لأموت حبيبة زوجي بدلا أن اره كما هو اليوم عليه”.

سباق التحدي في شهر

ويعتبر شهر تشرين الأول من كل عام شهرا عالميا لتحدي سرطان الثدي، إذ تقيم المؤسسات الصحية في العالم فعاليات وأنشطة وبرامج وورش عمل صحية، لنشر الوعي بين المجتمعات والتعريف بمخاطر السرطان، كما تضع المؤسسات الصحية خططها لتنفيذ برامج صحية للعام المقبل.

وتقول رئيسة منظمة الواحة الخضراء في الديوانية، الناشطة كريمة الطائي، إن “شهر التحدي لمكافحة أمراض السرطان يوجب على الجميع المشاركة في نشر الوعي الثقافي بالمجتمع، خاصة بين النساء في القرى والأرياف، التي تسجل اعلى الإصابات بسبب الجهل والأمية، وغياب احترام حقوق المرأة، وعلينا متابعة الفحص الدوري للكشف المبكر عن أمراض السرطان وخاصة الثدي”.

وتدعو الطائي، صحة المحافظة الى “تنفيذ الورش بإشراف الأطباء والمختصين في عموم دوائر المحافظة، خاصة تلك التي تضم موظفات، فحتى المتعلمات يهملن الاهتمام بهذا الجانب، أن لم يكن شبه منعدم في حساباتهن، وللأسف أن النتائج ستتحملها المرأة نفسها ما لم تحصن نفسها بالفحص الدوري للكشف المبكر عن أورام الثدي، لتلافي الحسرة والندم”.

الغيرة

الآثار النفسية تنعكس سلبا على من فقدت بسبب سرطان الثدي ما تعتقده رمزا لأنوثتها، وقد تتحمل الأسرة المحيطة بالمرأة جزء كبيرا من المسؤولية في ذلك، كما ترى أم سمية.

وتصف أم سمية، أن “شعوري بالغيرة بات يتصاعد طرديا مع المشاكل بيني وبين زوجي، فقد بدأت أغار واحسد حتى أخواتي وصديقاتي وجاراتي، حين انظر الى أجسادهن، وأتذكر منظري الذي أنا عليه اليوم، بل أتحاشى وأخشى حتى النظر الى صدري حين اغتسل، ولولا خشيتي من الله الذي كتب لي عمرا جديدا، ومشاعر بناتي ونظرة الناس لهن حين يكبرن، لأقدمت على الانتحار للخلاص من هذه اللعنة”.

عوامل كثيرة قد تسهم في نشر الوعي وحث المرأة على الالتزام بمواعيد هي من يحددها دون الحاجة حتى الى مراجعة الأطباء إلا في حالة الشك، كما تقول مدير شعبة مراكز قطاع الديوانية الأول، الدكتورة علياء البدري.

وتؤكد البدري، على أن “الورش والبرامج الإعلامية وإسناد المجتمع المدني، يمكن أن يسهم بشكل فاعل في نشر الوعي الثقافي بين النساء، وحثهّن على اتباع طرق الفحص الذاتي، التي تستطيع المرأة من خلالها الكشف الدوري لنفسها ومتابعة حالتها، ولن تحتاج اللجوء الى الأطباء أو المراكز التخصصية إلا في حال الشك بورم ما في غدد الجسم”.

ويشهد الواقع الصحي في العراق بحسب مراقبين، تردياً واضحا في غالبية المستشفيات الحكومية في المحافظات عموماً والعاصمة بغداد بشكل خاص الأمر الذي يدفع المواطنين المصابين بالأمراض السرطانية الى السفر لخارج البلاد بحثا عن الخدمات الطبية اللازمة وتلقي العلاج.

ويعد سرطان الرئة والثدي، أكثر أنواع الأورام السرطانية انتشارا على مستوى العالم، بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية لعام 2008، التي أشارت فيها إلى أن عدد الحالات الجديدة لمرض سرطان الرئة، التي تم تسجيلها في العالم وصل إلى 61،1 مليون شخص، فيما حل سرطان الثدي بالمرتبة الثانية بعد سرطان الرئة، حيث بلغ عدد الإصابات الجديدة بهذا المرض 38،1 مليون شخص، تلاهما سرطان الأمعاء الذي أصاب، 23،1 مليون شخص.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *