العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen Al-Zerganiلم تفلح ستة عقود مضت من محو ما سجلته ذاكرة المواطن احمد سعدون (73 سنة)، عن التعايش السلمي، الذي كان يميز علاقة المسلمين باليهود الذين استوطنوا قضاء الشامية (40 كم جنوب مركز مدينة الديوانية)، على الرغم من أنهم حينها كانوا أصحاب الأموال والأعمال والتجارة والزراعة، لكن ثرائهم لم يبعدهم عن المجتمع أو الاختلاط به للمشاركة في الأفراح والأحزان والمصائب.

ويقول سعدون، إن “أربعينيات القرن الماضي حملت في طياتها، وحفرت في ذاكرتي ومن أعرفه من الأقارب والأصدقاء، أجمل الأيام لبساطتها ونقاء القلوب والعلاقات الإنسانية التي كانت تجمع أبناء القضاء بجميع مكوناتهم”.

ويوضح المواطن، أن “اليهود عاشوا بيننا، وشغلوا الكثيرين من المواطنين معهم في تجارتهم وزراعتهم ومحالهم، كانوا يمتازون بالذكاء، كنا نذهب كل يوم تقريبا الى مقربة من معبدهم الذي نسميه بـ”التوراة”، وبيوتهم التي امتازت بجمال واجهتها ومساحة حدائقها الغناء، لم نلمس منهم سوى الطيبة العراقية التي تغلب على جميع الصفات وعناوين الأديان وصفات المكونات”.

ويبدي سعدون أسفه، على “محالهم التجارية ومعبدهم وبستانهم الكبير الذي كان يتوسط الشامية، التي هدمت وتم بناء محال وأسواق تجارية بدلها، لتضيع معها أجمل الذكريات، الا ما حفظته ذاكرة الأحياء من أبناء جيلنا، بعد ان مات آبائنا وأجدادنا، وماتت معهم ذكريات أزمانهم، بسبب تهجيرهم في السابق”.

مدينة الشامية التي تربعت على ضفاف نهر الفرات لتمتاز بزراعة المحاصيل الاستراتيجية (الحنطة والشعير ورز العنبر)، وأنواع عدة من الخضروات، حفظت لمواطنيها وان كانوا يهودا حقهم، بذاكرة أقرانهم من أبناء المدينة كما يقول المواطن، كريم محسن (69 سنة).

ويصف محسن، أن “منازل اليهود الباقية اليوم في عدة مناطق بقضاء الشامية، تؤكد على شواهد زمن كان التعايش السلمي طابعه المميز، بعيدا عن أي نعرات أو تشنجات دينة أو طائفية، فالأراضي الزراعية والمنازل ومحال بيع الحبوب والمواد الغذائية كانت ملكا لليهود، لكن الحكومات العراقية وضعت اليد عليها ونقلتها الى وزارة المالية، ليستذكر أبناء جيلي اليوم ذكريات أكثر من نصف قرن أضيف لها الحنين لحكايات الآباء عن تلك الأيام الجميلة البسيطة”.

ويضيف محسن، أن “حكومات نوري سعيد وعبد الكريم قاسم، لم تتمكن من تغيير العلاقة بين المسلمين واليهود والصابئة، الذين كانون يعيشون مع بعضهم، ولم تنهي العلاقة معهم حتى بعد تهجيرهم من العراق الى دولتهم اليوم في فلسطين، فنسمع أخبارهم من بعض أصدقائهم المقربين منهم”.

ويتابع المواطن، أن “العم (ساسون) العطار اليهودي، كان اسما محترما يقدره جميع أبناء الشامية، ولم يكن أحد منهم ينظر الى دينه، فالدين لله وحده، والعلاقات الاجتماعية التي كانت تربطنا حين ذاك خالية من نظرة اليوم التي صارت تميز الإنسان بدينه وقوميته وطائفته وابتعدت عن آدميته التي أراد الله ان تكون لنا خير الصفات التي تجمعنا”.

وصل اليهود الى مدينة الديوانية عام 1897، وتوزعوا على وحداتها الإدارية، وعملوا في التجارة والزراعة والصناعة، كما أنهم لم يبتعدوا عن السياسة والفن والثقافة والأدب كما يؤكد مدير مركز الذاكرة الموسوعية في الديوانية غالب الكعبي.

ويوضح الكعبي، أن “السمة الزراعة التي تميزت بها الديوانية، وإمكانية استثمار المحاصيل في صناعة الأغذية والتجارة بها، دعت بعض الأسر اليهودية للاستيطان فيها، ليتركوا خلفهم إرثا عمرانيا واجتماعيا وثقافيا وتجاريا كبيرا”.

ويبيّن الكعبي، أن “ثمانية عشر أسرة يهودية شكلت نحو 530 نسمة بحسب تعداد 1919، توزعت على مركز مدينة الديوانية، وغماس والحمزة الشرقي والصلاحية والمهناوية، ومدينة الشامية، التي فضلها القسم الأكبر ومنهم عائلة (خلاصچي)، التي اشترت نحو ثلاثة أرباع الأراضي الزراعية في القضاء، وابتكرت لنفسها علامة تجارية في رز العنبر (الخلاصچي)، الذي كان يعد من أجود أنواع الرز المصدرة للعالم”.

ويتابع مدير الذاكرة الموسوعية، أن “باقي الأسر اليهودية امتلكت نحو نصف الأراضي في الوحدات الإدارية الأخرى”، ويشير الى أن “اليهود كانوا بارعين في الصناعة أيضا ومن أهم الحرف كانت صياغة الذهب، كما انهم اشتغلوا في القطاع الحكومي والتعليم والأدب والثقافة والفن، ومنهم ساسون الذي كتب للفنان العراقي الراحل داخل حسن عدة قصائد لأغانيه، الأمر الذي انعكس بشكل إيجابي ببناء علاقات اجتماعية وثيقة في المدن التي سكنوا فيها”.

ويستدرك الكعبي، أن “بعض اليهود بقوا في الديوانية، حتى بعد قرار إسقاط الجنسية عنهم سنة 1951، وكان لهم دور في الحراك السياسي الذي كان يعقد في (طاق خضوري)، الذي يعد اليوم من اهم وأبرز المعالم الاثرية وسط مدينة الديوانية”، ويلفت الى “مشاركة اليهود للمسلمين في عدة تظاهرات خلال أعوام 1951 و1954 و1956”.

ويؤكد الكعبي، على أن “رسائل بريدية حديثة من اليهود في فلسطين، إلى أصدقاء طفولتهم في الشامية، وهذه الرسائل تمثل طيب العلاقة والذكريات الجميلة التي بقت محفورة في مخيلة اليهود والمسلمين، وقد عاد بعضهم بعد تغير النظام السياسي في العراق سنة 2003، وهم يحملون الوثائق الرسمية لممتلكاتهم من إرث آبائهم”.

يذكر أن مدينة الديوانية، (يبعد مركزها 180 كم جنوب بغداد)، تضم العديد من المباني والدور اليهودية، التي تمتاز بالفن المعماري الجامع بين الهندسة الرومانية والفن الشرقي والعمارة الإسلامية، ومنها طاق خضوري الذي شيد في عشرينيات القرن الماضي، وعدد من البيوت التي مازالت شاخصة في مناطق الجديدة والسراي وصوب الشامية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *