رأي حر/العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen Al-Zergani

الصورة من أحد مواقع الانترنيت

كان جدي رحمه الله يروي لنا في كل يوم حكاية بالصغر، ليخلص أمنا من شر أفعالنا ومصائبنا التي كنا نعمد اليها، وذكراه اليوم خطفت في مخيلتي عند مشاهدتي موقفا يرتبط بحكاية قصها لنا في واحدة من ليالي الشتاء الباردة، إذ قال (كان يا ماكن، في سالف العصر والزمان، قرية صغيرة يعتمد أهلها في معيشتهم على الزراعة وتربية المواشي والحيوانات ومن بينها الحمير، كانت القرية مشهورة بكنية أحد إقطاعيها الملقب بـ” البخيل أبو الحمير”، لكثرة عددها في أرضه، كان “أبو الحمير”، ظالما مع كل من حوله بمن فيهم أسرته، حتى حميره لم تسلم من ظلمه حيث تعود تحميلها بأكثر من طاقتها، ليربح الوقت في جني المزيد من الثروة لبيع ما تنتج حقوله المترامية من قمح وشعير وفواكه.

وفي فجر أحد الأيام خرج، صابر “العربنچي”، السائس، أحد العاملين في حقول أبو الحمير كعادته الى “الطولة”، مكان تربط في الحمير أو الخيول في الحقول، فأخرجها استعدادا لبدء العمل بتوزيعها على العبيد لتحميلها بما يتم حصاده أو قطفه بعد عدها، لكنه تفاجئ بنقص حمارين منها، فعدها ثانية وثالثة وكانت النتيجة نقصها، فساء حاله من مصير سيلاقيه مع العبدين من سيدهم البخيل، طلب الرجل من العبيد البحث عنهما بكل الأرجاء أملا في العثور عليهما، لكن خاب سعيهم.

جلس صابر في حيرة من أمره!، أين ذهب الحماران وبماذا سأخبر سيدي البخيل؟، فجاءته فكرة خبيثة!، وجه العبيد للشروع بأعمالهم كما هو الحال في كل يوم، وطلب من فاقدي حماريهما المشي على أرجلهما وأيديهما بـ”الطولة”، مكان الحمارين، وأوصاهما بالنهيق حين يأتي سيدهما، ولا ينطقا إطلاقا، ولو أخطئا فأن التشريد والطرد من العمل سيكون أهون ما يتوقعاه من مصير، أو قد يصل الأمر الى الموت فعلا، ركض صابر الى بيت البخيل متعثرا في كل ما يصادفه، وهو ينادي البشرى يا مولاي، البشرى يا أبا الحمير، خرج البخيل من شرفة منزله على صراخ عبده، والحيرة واضحة على وجهه فصاح به، ما بالك يا صابر؟ـ ما الذي حصل؟، وحين أصبح على مقربة، قال له انها البشرى لك يا سيدي، لقد تحول حماران في الإسطبل صبيحة اليوم الى بشر مثلنا يمكنك الاستفادة منهما كعبدين!، فاندهش الرجل وامتعض من صابر، ونعته بالجنون، فأكد صابر نبأه، وطلب من سيده الذهاب معه ليشاهد بنفسه ويتأكد من زعمه، فصاح البخيل سأعاقبك أيها الكاذب، فأجابه بل اقطع عنقي يا مولاي لو تبين لك خلاف ذلك، فزادت حيرة أبو الحمير، ونزل اليه وتبعه الى “الطولة”، فوجد من بين الحمير الرجلان وهما ينهقان كما تفعل الحمير، ويتصرفان مثلها، فاقترب منهما وسألهما ما قصتكما أيها العبدان؟، فلم يجيبا! ماذا حدث لكما؟، لكنهما اكتفيا بالنهيق!، فزجر بهما تكلما أيها الحماران وإلا سامر بقتلكما؟، فنهقا بصوت أعلى وادبرا عنه، فطلب صابر من السيد التدخل ليترجم ما يقول الحماران، لأنني ضليع بلغتها، لا تنسى يا سيدي كم قضيت من أيام حياتي بينها وأفهم ما تقول، فوافق البخيل، ذهب صابر وهمس في أذن أحد العبدين، طالبا منه رفع يديه الى الأعلى والوقوف على قدميه والعودة الى حاله بسرعة، ففعل العبد الحمار الأول، وذهب الى أذن الآخر وطلب منه ان يستند على يديه ويرفس كما الحمار بقدميه الى الخلف، ففعل العبد الحمار الثاني.

فأقدم صابر الى سيده، وأبلغه أن الحمار الأول عاد منهكا من أحماله، ونام في محل وقوفه المعتاد، وفي المنام حلم بصاحبه مكبلا بالحبل المربوط بعنقه وطرفه الآخر بيده، لكن كل بمكان الآخر، وحين صحى من المنام وجد نفسه بهذا الحال، أما الحمار الثاني، فأنه قد حلم بالعبد يضربه بالسوط وهو يحاول الهرب منه بالرفس، وما أن صحا من حلمه حتى وجد نفسه بهذا الحال!، استغرب البخيل القصة ولم يصدق ما سمع من صابر، وأمر بالسياف فجاءه مسرعا وسيفه مستلا باليمين، وأمره بقطع رأس أول الحمير، فنهق بصوت عال واخذ يركض يمينا وشمالا، وأحس صابر بان المكيدة ستنقلب عليه لو فقد احد الحماران صبره واعترف بالحيلة، فدعا السياف وسيده لقتله قبل الحمار!، استغرب البخيل من الموقف وسأله لماذا؟، فأجابه ان الحماران صادقان، وكنت مع كل واحد منهما في حلمه، وانا من دعوت لهما بأن يكونا بشريّن، ليعلما كم نعاني في الدنيا من الأثقال!، فصمت البخيل ونادى في السياف أن يدع الحماران وشأنهما، وأوصى صابر بالدعاء لهما ليعودا حمارين ويتخلصا من لعنة البشر.

وتكمن الطرافة في أن البعض صار يتمنى ان يكون حمارا لا يفقه شيئا مما يمر به من أحداث، عساه يريح عقله من التفكير فيما يدور وما سيكون المصير، فيما يحلم الحمير بأن يكونوا بشرا للخلاص من لعنة الأحمال وثقلها، وصار كل يحسد صاحبه عما هو فيه من حال، لا بني البشر راضون بآدمتيهم المفقودة، ولا الحمير قانعون بحالهم، وما أشبه يومنا بالأمس في المواقيت وحدها، صبح ومساء ليل ونهار، موت وحياة زعل ورضى، لكن نفوس الناس تغيرت ولم تعد تشتاق الى ما كانت عليه في السابق، والى ما كان يروي لنا الأجداد، لنكون بذلك اقتربنا من تحقيق أحلام الحمير، التي قد تنقذ البعض من سيف الجلاد، لم ننتهي بعد، …وللكلام بقية…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *