رأي حر/العراق/الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen Al-Zerganiكالطير المحبوس في قفص، يترقب غفلة السجان، ليتخلص من قيده ويحلق عاليا في عنان السماء، هكذا هو المشهد ببساطة فيما يشهده العراق، منذ ما يزيد عن الشهر من التظاهرات الداعية الى الإصلاح، كالقفص بلا ماء ولا طعام ولا هواء حرية أو كرامة، تجرعها الشعب لأكثر من ثلاثة عشر عاما على مضض، بسبب سياسات الأغبياء من الحكام والمتنفذين بالقرار الذين أوصلوا العراق الى ما هو عليه اليوم.

فضج الناس من ظلم الساسة وسوء إدارتهم، ونزلوا الى الشوارع غير مكترثين بالعواقب أيا كانت، بعد أن (بلغ السيل الزبى)، قتل وسرقات في وضح النهار، فساد يندى له الجبين، وضحك على الذقون، بمسلسلات لا تقل طولا في حلقاتها عن تلك المدبلجة، التي تبدأ وتنتهي دون أن يفهم المتابع لها شيئا، من أحب من؟، ومن أم من؟، ومن تزوج من؟، أو أنها كالأفلام الهندية التي ترفع فيها الخيول على أكتاف الأبطال، أو تدار بها سباطانات مدافع الدبابات الى صحون دروعها بقدرة قادر للبطل دون سواه.

توسم الشعب خيرا في قائد جديد، أعلن عن حزمة إصلاحات، بعد أن نال قوته من تلك الأصوات الهادرة في ساحات التظاهر في جميع المحافظات العراقية، التي رفعت سقف مطالبها مع كل جمعة وتظاهرة، لتتعدى الخدمات والكهرباء والتعينات، وتركز على تغيير الدستور وحل مجالس النواب والمحافظات والإصلاح الشامل لمنظومة الدولة العراقية، ولكن ما يزال الغموض يخيم على المشهد برمته، فالإصلاحات حتى الآن ترقيعية، لم تلبي طموح الجمهور ورغبته الحقيقية في الخلاص من لعنات الفاشلين السابقين، الذين سببوا هذا الخراب بدعم مؤسساتهم الدينية او الحزبية، التي ولتهم رقاب الشعب لينحر من القفا بدم بارد لنصل الى ما نحن عليه اليوم، لننهض من جديد بالبلاد على الرغم من إفلاسه الشامل، بعد نهب خيراته وثرواته وتبديدها على مشاريع فاشلة لتغطية ما سرق المتنفذين لحساباتهم لتمويل بنوكهم أو شركاتهم الشخصية او الحزبية، ليبقى الكابوس جاثما بالمال الحرام فوق صدور العراقيين.

وما تشهده الديوانية ليس بمعزل عن باقي المحافظات، فقد أحرج المتظاهرون المسؤولين، وصار أغلبهم يسعى لكسب ودهم ورضاهم، بعد قناعتهم وعين يقينهم بأن القاعدة وأسس البقاء تكمن في إرادة الشعب ورغباته ورضاه، ولبغ التنافس والتسقيط بين المسؤولين أوجه لتحقيق ذلك، بعيدا عن النظرة الاستراتيجية المدروسة التي قد تأتي بعكس ما تشتهي السفن، مع ما يقابلها من غياب المنظم والمشرف المسؤول عن التفاوض، فالكل يطالب والجميع يدعوا غيره الى عدم التصدي للمشهد، تارة للشك وسوء النوايا وانعدام الثقة، وفي أخرى لبقاء الأمر عائما كما سعى له بعض المتورطين بالفساد بزج أذنابهم، أو شراء ذمم البعض لخلط الأوراق، الأمر الذي أدى لتخندق جميع الأطراف في محلها، خوفا من السقوط في وحل الاستهداف الجماهيري ومواقع التواصل الاجتماعي، دون ان تنتبه الأطراف الى أهمية وضرورة وجود قنوات حوار سياسية، تناقش المطالب وإرادة المتظاهرين، فالتظاهرات أقوى أسلحة التدمير على أن يلم محركيها فن التفاوض لتحقيق غاياتهم الشعبية وليست الشخصية، وتميز من يمكن استخدامه كسلاح متعدد الأغراض (للدفاع وصد نيران العدو أو الهجوم)، وكسبه الى صف المتظاهرين لدفع الآخرين الى الاقتداء به والحذو حذوه.

وللأسف أن البعض صار يرى الجميع فاسدا ومتآمرا وقد لا يكون ملاما مع ضبابية المشاهد، لكن على الجميع ان يلتفت للبحث عمن أصلح نفسه وصدق معها قبل إطلاق نداء ضد الفاسدين، ليحقق الشعب ثورته الرافضة لكل  مفسد أو متهم بالفساد بغض النظر عن موقعه السياسي او الديني او الاجتماعي الذي يختبئ تحت عباءته، لصيد الثورات والالتفاف على رغبة الشعب، لم ننتهي بعد، …وللكلام بقية…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *