رأي حر/العراق/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen Al-Zergani

للكلام بقية

الديمقراطية تلك الكلمة المشتقة من المعجم الإغريقي (δημοκρατία)، وترجمته اللاتينية (dēmokratía)، المدمجة في كلمتان هما ((δμος، وتعني (ديموس)، وترجمتها “الشعب”، والثانية ((κράτος، ومعناها (كراتوس)، أي “السّلطة”، أو “الحكم”، التي عرفت في القرن الخامس قبل الميلاد، للدلالة على النظم السياسية الحاكمة وقت ذاك في ولايات المدن اليونانية، خاصة (أثينا)، وهو المصطلح النقيض لـ(ριστοκρατία)، (أرستقراطية) التي تعنى “حكم النخبة”، أي بمفهوم أبسط بانها “حكم الشعب”، لنفسه، وهذا ما دعا له العراقيين بعد تغير النظام الحاكم قبل 2003، للخلاص من الفكر الشمولي والدكتاتوري للقائد والحزب الواحد.

واختار الشعب وقرر مصيره السياسي ونظام الحكم فيه بقناعة، وصوت لدستور كفل جميع المفاهيم والحقوق لرسم معالم الدولة العراقية الجديدة في ظل نظامها الديمقراطي على الورق طبعا لا أكثر، بدليل ما تم زجه من قنابل موقوته قابلة للانفجار متى ما شاء هذا النافذ أو ذاك الحاكم بالتعديل، من خلال القرارات والتعليمات ومنظومة التشريعات التي زجت بحجة تطبيق أحكام الدستور، لتكون بذلك شبيهة ان لم تكن بحالة التماثل المتكاملة لنظام الهدام في دستوره المؤقت وتعديلاته اليومية، بحسب ما يلبي أفكاره الفاشية الدموية.

ولا يختلف المشهد الديمقراطي اليوم عن المشاهد الدكتاتورية، التي عانى منها العراقيون لعقود طويلة، ومن بينها التضييق على الحريات العامة وتكميم الأفواه بحجج وذرائع العمالة للجوار أو الغرب، وهذا ما امتد للأسف الى عباءة الديمقراطية الزائفة، التي كفلتها الأوراق ولقلقة الألسن الفارغة السليطة التي تعودت الكذب والادعاء والضحك على الذقون ليس أكثر، لتضيق الخناق على الصحافة والإعلام ومنصات التواصل المجتمعية، بتسخير القضاء وإقامة الدعاوى على كل من يعلو صوته معارضا محتجا وبذات الحجج الصدامية اللعينة، لكنها مغلفة بحجج مكافحة الإرهاب او التعدي على شخص هذا المسؤول أو ذاك والالتفاف على القضاء باسم الحقوق المدنية، وقد نسى من رضى لنفسه التصدي ليكون شخصية عامة بأن يكون عرضة للانتقاد المهني او الاتهام بالفساد في مؤسسته التي تشير كل التصريحات والبيانات الى انها فاسدة بجدارة.

والمعيب المخزي والمخجل أن شر ما فعل القوم باسم الديمقراطية جعل البعض يترحم على أيام الدكتاتورية المعلنة، ففعال اليوم أسوء ولا تكاد تقارن بما فعل الهدام في طغيانه، عمالة وخيانة وتسلط وفساد ورشى لم يسجل التاريخ مثلها، وتطاول على جميع المؤسسات وبذرائع عدة، وتجاوز وقمع للحريات وتكميم للأفواه وتضييق على المؤسسات الإعلامية ومنصات التواصل المجتمعية، وإقامة الدعاوى القضائية بحجة التشهير والإساءة والسب والقذف، وما الى ذلك من تهم يحاول بعض الساسة والمتنفذين من حماية أنفسهم باسم القضاء الذي يراه الكثير جائرا متعسفا من خلال الهتافات واللافتات التي رفعت في الحراك الجماهيري العاصف في جميع المحافظات العراقية دون استثناء.

والأدهى من ذلك كله أن الحكم الديمقراطي صار وبالا وعارا في نظر الكثيرين لما ترك الساسة الفاشلين المنتفعين من الأزمات والصفقات المشبوهة، الذين تركوا البلاد خرابا وترابا، وجعلوا المواطن يعيش بظلام ونقص خدمات وسوء أوضاع معيشية، مراهنين على صبر العراقيين فخاب وخسر رهانهم، بعد أن نفض طائر الفينيق عن التراب ليخرج من بين الركام معانقا لسماء الحرية والخلاص من تلك الوجوه والأسماء الخائنة، التي استباحت الأرض والعرض ومال الوطن ونهبت ثروات شعبه وخيراته.

وللأسف أن البعض ما زال يراهن على إطالة عمر التظاهرات وثورة الشعب ليبقى متسيدا، من خلال شراء الذمم وضمائر دعاة التحرر، ممن يشبهون رهبان بني إسرائيل الذين حرفوا الكتاب، فبعضهم باع ضميره بأبخس الأثمان أو أنه ولد أصلا بغيره، فصار يخلط الأوراق ويوهم من حوله بجميل الكلمات المنمقة الزائفة، ليضرب هذا دون ذاك بذريعة المتصدي، والطامة الكبرى أنه صدق كذبته ونسى ما قبضه من ثمن ليشعر بأنه “جيفارا”، زمانه ومخلص بني البشر من سطوة الظلم ونسى ظلمه لنفسه ومن هم حوله، فساعة يتهم هذا ويحرض على ذاك ليدفع النار عن محراب سيده، ويحذر من المواجهة التي يحرض لها أصلا، متوهما بأن دوي الرصاص أقوى من القلم، وتجاهل أن الرصاصة تقتل شخصا لكن الكلمة تقتل أمة أو تحييها، لم ننتهي منكم بعد يا عبيد السلطان، ….وللكلام بقية…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *