العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen Al-Zergani

(أبو السواق): أزمة حقيقية في الالتزام بقواعد السير والمرور في الديوانية

لم يكن شبح البطالة وغياب فرص العمل السبب الوحيد في خروج، أبو محمود (67 سنة)، بسيارته (التاكسي)، لضمان الحصول على قوت يومه لتأمين متطلبات أسرته، بل توجيه النصح لزملاء مهنته من الشباب، الذين يتجاوزون على لوائح السير وأنظمة المرور في مدينة الديوانية، مدافعا بقوة عن شعار تعلمه وحفظه من الصغر (السياقة فن وذوق وأخلاق)، الذي يراه اليوم قد اندثر مع كثير من الأشياء التي اندثرت بحكم الحداثة والتطور والعالم الجديد، فأضاعت معها القيم والمبادئ التي تضمن سلامة المواطنين والحرص على حياتهم.

أبو محمود، يمارس مهنة السياقة منذ خمسة عقود تقريبا، كان شاهدا على عشرات حوادث الطرق التي أودت بحياة الكثيرين، الأمر الذي يدعوه الى ملاحقة الشباب من المتهورين وإن كان معه راكبا، ليستوقفه وينبهه ويحذره من تبعات السرعة والتهور وعدم مراعاة قواعد السلامة والمرور، حتى صار البعض يناديه بـ(أبو السواق).

الدلال وأبناء المسؤولين

ويقول أبو محمود، إن “عدم تنفيذ القوانين والتعليمات والأنظمة المرورية، وتجاوز المسؤولين عليها، ولّد في الشباب والمراهقين التهور واللامبالاة والتجاوز عليها، وللأسف فأن الآباء يتحملون المسؤولية الأكبر، لاعتبار بعضهم أن الدلال يعني إفلات الحبال للأبناء وعدم متابعتهم ومحاسبتهم، خاصة لمن هم في سن المراهقة، الذين للأسف يغفل عنهم اليوم حتى رجال المرور، والسبب في ذلك المسؤولين في الحكومة أيضا، لانهم يتركون سياراتهم المظللة بأيديهم يعبثون بها في جميع المناطق، وإذا ما تم سؤال أحدهم قامت الدنيا ولم تقعد، وبذلك يتحملون الجزء الأكبر من المسؤولية في استهتار البعض الآخر من الشباب في الشارع عن قيادة المركبات”.

(سايبة وضيعوني)

ويوضح أبو محمود، أن “كثير من الشباب اليوم يفتقرون الى آداب وفن وذوق السياقة، يكتبون عبارات على زجاج سياراتهم ما أنزل الله بها من سلطان، ويظهرون حقيقية البيئة التي خرجوا منها، فالإنسان مرآة عاكسة لبيئته وتربيته”، ويشير الى أن “سائق سيارة نوع (سايبا)، وهم أكثر من نعاني منهم في الشارع، لا يتجاوز السادسة عشر من عمره كتب على زجاج سيارته (سايبة وضيعوني)، اجتازني بسرعة ذات يوم، وكان صوت الأغاني يدل على أن أستوديو متنقل مر بجواري، وكان معي راكب فاستأذنته اللحاق به والحديث معه”.

ويتابع أبو السواق، “اجتزته وضيقت عليه الطريق حتى أجبرته على التوقف، ونزلت اليه وطلبت منه خفض صوت الموسيقى، فاستاء مني، وأخذت أكلمه بطريقة لطيفة، حتى أقنعته وتجاوب معي، فاعتذر عن تصرفه ووعد بعدم تكرار هذه التصرفات”، ويلفت الى أن “المشهد يتكرر عدة مرات في اليوم الواحد، وأحيانا يتسبب بضياع الزبائن مني، لكني أشعر بأن واجب النصيحة مسؤولية الجميع لبناء البلد”.

ويتساءل السائق، عن “الإجراءات والتعليمات القانونية ودور مفارز المرور للحد من هذه الظواهر التي تسيء الى مجتمعاتنا”، ويلفت الى أن “إجازة السوق كانت لا تمنح الا بشروط ومواصفات واختبارات عدة يخضع اليها الراغب بالحصول عليها حتى يتقن شعار السياقة فن وذوق وأخلاق”.

كتابات فارغة وأرقام هواتف

(عين الحاسود بيها عود، أبقى أحبك يا لابسني، أجيبك للدرب إلا أجيبك)، وأرقام هواتف وضعت على زجاج السيارات، يرى البعض أنها ممارسات توجب إعادة النظر في قوانين العقوبات المرورية، لوضع حد للتجاوزات التي يتعرض لها المواطنين من قبل بعض سائقي سيارات الأجرة، كما يرى المواطن خالد حسون أحد جيران أبو محمود.

ويقول حسون، إن “الانفتاح الاقتصادي بعد سقوط النظام، وغياب الرقابة على الحدود، والمشاريع التي اتخذتها الحكومات المحلية والاتحادية على انها استثمارية باستيراد السيارات وبيعها بالتقسيط، زادت أعدادها في الشوارع بدون ضوابط أو تعليمات”.

ويوضح حسون، أن “المراهقون تمادوا كثيرا، وصاروا يكتبون على زجاج السيارات عبارات عجيبة وغريبة، ناهيك عن كتابة أرقام هواتفهم الخاصة لصيد النساء، وصار لزاما على مديرية المرور تفعيل القوانين والتعليمات والعقوبات الرادعة بحق المتجاوزين دون استثناء أحد أيا كان منصبه”.

ويشيد الجار، “بقدرة أبو محمود على الصبر واحتمال ما يشاهده في الشارع من تصرفات، يرويها لنا عندما نجلس مساء كل ليلة عند باب بيته، لنستمع الى ما يمر به ويتصرف أزائه، فاستحق أن نطلق عليه لقب (أبو السواق)، بجدارة لما يملكه من ذوق وفن وأخلاق”.

تحرش

تتعرض كثير من النساء الى التحرش في سيارات الأجرة، وغالبية المتحرشين هم من الشباب والمراهقين، وبأساليب غاية في الغرابة كما تصف، المواطنة زهراء أحمد.

وتوضح زهراء، أن “كثير من النساء يتعرضن الى التحرش عند استئجار سيارة (التاكسي)، من قبل السائقين، وبأساليب غاية في الغرابة على الرغم من صدهم، فبعضهم كتب رقم هاتفه مسبقا على أوراق صغيرة، دون أن يعتبر من تركب معه أمانة في عنقه كما لو كانت أخته أو قريبته”.

وتروي زهراء، “ذات مرة استأجرت مع صديقتي سيارة أجرة، وكان السائق ينظر لنا في المرأة بنظرات مريبة، كنت أجلس خلف مقعده، وكان يمد يده الى الخلف وفيها ورقة، رمقته لأكثر من مرة بنظرات زجر دون جدوى، وقبل أن نصل الى المكان، رمى الورقة بقوة نحوي فتركتها على أرضية سيارته وغادرنا مسرعتين، ومنذ ذلك الحين أتأخر لوقت طويل حتى يأتي سائقا كبيرا في العمر، أو عساني احظى بأبو السواق ذلك الرجل الذي نسمعه عنه الكثير”.

الستوتة رعب في الشارع

مركبة لا تختلف عن السيارات في شيء، لكن أنظمة المرور تغاضت عن وضع لوائح وتعليمات تنظم سيرها في الشارع، فصار صغار السن والمراهقين يخاطرون بحياة المواطنين في الشوارع دون أي اعتبار، كما يرى المواطن محمد مجيد الزيادي.

ويقول الزيادي، إن “الستوتات رعب في الشوارع، لا تعرف في أي لحظة تتسبب في حادث دهس أو اصطدام، خاصة في أوقات الذروة والازدحام في الأسواق، وللأسف لم نر أحد منهم يخضع الى أي رقابة أو حساب، والمصيبة أن صغار السن والمراهقين أغلب من يقودونها داخل الأسواق، وهؤلاء لا يعرفون شيئا عن المسؤولية والمخاطر التي يتسببون بها”.

ويدعو المواطن، أصحاب القرار إلى “وضع معالجات فورية للقضاء على الظاهرة حفاظا على أرواح المواطنين، وليس صعبا أو عسيرا تحديد عمر قائد تلك المركبة وإجباره على امتلاك رخصة أو إجازة سوق أسوة بالسيارات”.

عقوبات رادعة

برامج نصح وتثقيف في جميع وسائل الإعلام ومنصات التواصل المجتمعي، لم تفضي لحد الآن بوضع حد الى التجاوزات المرورية والمعاكسات والقيادة الطائشة التي يرتكبها الشباب، ونلجأ في غالب الأوقات الى تنفيذ عقوبات صارمة لردع تلك الممارسات لحماية المواطنين وسائقي المركبات من أنفسهم، كما يوضح مدير مرور الديوانية العميد عبد الأمير الركابي.

ويقول الركابي، إن “السرعة الجنونية واستخدام الوسائل التي تشغل السائق عن الشارع ومركبته، تتسبب في الكثير من الحوادث المرورية التي يروح ضحيتها الأبرياء”، ويشير الى أن “استخدام الهواتف النقالة والأقراص المدمجة، مخالفات نحاسب عليها بشدة، فالشارع ليس ملك السائق المتهور ووغير المكترث وحده بل هي ملك للمجتمع، ورسالتنا الحفاظ على حياة الجميع”.

ويؤكد مدير المرور، على أن “منتسبي المرور يلجؤون الى المحاسبة وتحرير الغرامات والمخالفات بحق المخالفين، وفي بعض الأحيان نبتعد عن الغرامة ونعاقب بحجز المركبة والسائق، لتكون العقوبة رادعة نحمي من خلالها حياة الأبرياء في الشارع”.

وكانت دائرة صحة الديوانية، أعلنت في (2 حزيران الجاري)، عن تسجلها خلال أربعة أشهر من مطلع سنة 2015 الحالي، مقتل 72 شخصاً، عدا من أصيب بجروح وتعافى، أو نقل إلى مستشفيات أخرى.

وكانت إحصاءات رسمية أكدت أن حوادث السير في الديوانية،(180كم جنوب العاصمة بغداد)، أودت بحياة 267 شخصاً، وإصابة المئات غيرهم خلال سنة 2014 المنصرمة.

وكانت دائرة صحة الديوانية، كشفت في (العاشر من ايار 2014)، عن مقتل (330) مدنياً وإصابة نحو ألفين آخرين، خلال العام الماضي 2013، بحوادث سير مرورية، وفيما حملت مديرية مرور المحافظة سائقي المركبات مسؤولية حوادث السير لعدم التزامهم بالتعليمات والقوانين المرورية، أكد ناشطون أن معظم حوادث السير سببها غياب الثقافة القانونية ورداءة السيارات المستوردة الى العراق.

وكانت مديرية مرور الديوانية، أعلنت في (السادس من آذار 2012)، عن مصرع وإصابة 1126 شخصاً جراء 1020 حادثاً مرورياً في المحافظة خلال العام الماضي 2011، فيما أكدت لجنة الصحة في مجلس المحافظة ضرورة وضع آلية تسهل عملية الوصول إلى مواقع الحوادث بالسرعة القصوى لإنقاذ المصابين.

وشهدت الطريق السريعة الجنوبية المسماة ط 6 الرابطة بين محافظة الديوانية 180 كم جنوب بغداد والمحافظات الجنوبية، حوادث مرورية متكررة، بسبب عدم إنجاز الممر الثاني من الطريق واضطرار سائقي المركبات للسير في ممر واحد ذهاباً وإياباً.

يذكر أن قدم بعض الطرق الرئيسة في عموم العراق ووجود مطبات فيها، فضلاً عن عدم احتوائها على ممرين أو أكثر أدى إلى حصول العديد من حوادث السير التي راح ضحيتها سالكو تلك الطرق، فيما تسعى الجهات المعنية لتوسيع الواصلة منها بين المحافظات واستحداث أخرى جديدة.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *