العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

لم يكن عيدهم هذا العام يختلف عن باقي الأعوام، على الرغم من نظرة الأمل الخجولة التي تصطدم بجدار الواقع المزري، الذي بات يتراجع يوما بعد آخر وصار حلم الديمقراطية كابوس يهدد الكلمة ويلوح بقتلها في كل زمان ومكان، فذكرى عيد الصحافة الـ(146)، حملت معها هذا العام كما كانت أسفارها في سابق الأعوام من آلام ومواجع وآمال وأمنيات للصحافيين العراقيين في محافظة الديوانية.

ويقول الصحافي والكاتب الأديب، حسن السرحان، إن “الدخلاء على بلاط عرش صاحبة الجلالة، وغياب مفهوم أو تعريف من هو الصحافي وضبابيتها، والخلط مع غياب المؤسسات المعنية بتطوير المهارات الصحافية للراغبين في العمل ببلاطها، سبب فوضى عارمة كان أول المستفيدين منها ساسة الصدفة، الذين وجدوا لهم أبواقا تلمع واجهاتهم المتسخة، تحت مسمى الصحافي أو الإعلامي”.

ويضيف السرحان، أن “تلك المهنة الجليلة، صار يعتبرها البعض ممن لا يفقه عنها شيء ملاذا أو مهنة من لا مهنة له، لكن هذا لا يعني تغيب الإمكانيات الصحافية التي نمت وشقت طريقها الى التميز متحدية كل العقبات لتجسد مفهوم البلاط وعرش صاحبة الجلالة، وتكون صوتا لمن لا صوت له”.

ويشير السرحان الى أن “حرية الصحافة وهم لا يتعدى الورق في قوانين وتشريعات وضعت لتخرق، فكم من صحافي استشهد أو اعتقل أو هجر الى بلد آخر أو ضيق عليه الخناق من أجل أن يكون بوقا مطبلا مهللا لهذا المسؤول أو ذاك”.

ويتابع السرحان، أن “مفردة الحكومة الضبابية صارت أكثر غموضا من معنى مفردة الصحافة، ولا يمكن لأحد أن يسمي من قاد العراق بعد سقوط النظام حتى اليوم “حكومات”، لأنها غريبة عما تعرف به الحكومات في العالم، كونها بنيت على المحاصصة وتوزيع الكعكة ضمن المحسوبية والمنسوبية والولاءات، وأقرب ما تسمى به “واقع حال مفروض”، كان لها الدور السيء في تغير منهاج العمل الصحافي وأخلاقياته في البلد للأسف”.

الدراسة الأكاديمية في كليات الإعلام ما زالت تفتقر الى المعايير والمناهج الحقيقية التي تجعل من طلبتها صحافيين وإعلاميين كما هو الحال في باقي الكليات الإعلامية في العالم، والتطبيق الميداني والعملي للصحافي له الدور الأبرز في تطوير مهاراته، وهذا ما يفتقده الكثيرين من دعاة الصحافة في العراق كما ترى الصحافية إيمان المرعبي.

وتوضح المرعبي، أن “ابتعاد الصحافيين عن تطوير مهاراتهم خاصة وأن المواقع الإلكترونية العالمية والعربية تعج اليوم بالورش والتدريبات عن بعد، لكن للأسف نرى كثير من الصحافيين غير مكترثين بها، اما من باب التعالي، أو الخجل من إظهار حقيقة ما يعرفونه عن الهنة ومقوماتها”.

وتتابع المرعبي، أن “ما يعتبره صحافيو اليوم ويسمونه بجيل الرواد، مستعد ومتبرع بتعليم كل ما يحملونه من معلومات ومهارات وبالمجان لتدريب الصحافيين الشباب على أن تكون الجدية حاضرة والرغبة حقيقية في تطوير الذات”.

وتلفت المرعبي، إلى أن “المتاح اليوم للشباب من كثرة المنابر الإعلامية والمنظمات المعنية بتطوير العمل الصحافي لم تكن لنا في السابق، وكنا نجد في البحث عن الكتب المطبوعة لغياب الأنترنيت ومنصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، وعليهم الاستفادة منها قدر المستطاع، خاصة ما يتعلق بالسلامة المهنية، فجميع التقارير الدولية تؤكد على أن العراق من اخطر البلدان للعمل الصحافي، وما نشاهده في كل يوم من اعتداءات تطال الصحافين من قبل حمايات المسؤولين يوجب على الصحافيين تدريب انفسهم وتعويدها على أساليب الأمن الشخصي والحماية”.

وتحمل المرعبي، الساسة والمسؤولين في الحكومات “مسؤولية الفوضى وتردي الواقع الصحافي والإعلامي في العراق، بسبب تدخل البعض منهم في الآليات الإدارية، ويجب إبقاء المؤسسة الصحافية مستقلة تماما وبعيدة عن أي تدخلات سياسية اذا ما أردنا بناء دولة مؤسسات والحفاظ على النظام الديمقراطي”.

يعاني الصحافيين الشباب من التغييب وهيمنة الكبار والأسماء المعروفة في الوسط الصحافي على المشهد، فكثير من المسؤولين الحكوميين لا يتعاطون مع الجميع بنظرة واحدة والتمييز واضح في التعامل، كما يرى الصحافي الشاب علي الناشي.

ويقول الناشي، إن “التغيب الواضح والتهميش والإقصاء الذي نعاني منه في عملنا اليومي للحصول على المعلومة، وحصرها بالأسماء والمؤسسات المعروفة على حسابنا والازدواجية في التعامل، جعلت الكثير منا ينظر الى الصحافة بأنها حكر على الكبار الذين يخشون على مواقعهم وعملهم في مؤسساتهم وعلاقاتهم، على الرغم من وجود إمكانيات وطاقات شبابية كثيرة تحترم وتقدس مهنة الصحافة”.

ويستدرك الناشي، أن “ازدواجية التعامل انعكست سلبا على أدائنا، فالصحافي الشاب ينطلق بقوة مع بداياته، لكنه سرعان ما يفقد الحماسة مع أول صخرة من حاجز المخضرمين، فكثير من الأسماء الكبيرة دخلت في حرب مع الشباب وقطعت بهم السبل حتى أجبرت الكثيرين على التخلي عن الحلم والأمل في العمل ببلاط صاحبة الجلالة، ونتمنى أن يتعامل معنا الرواد على أننا تلاميذهم وزملائهم وليس منافسيهم”.

الجمال والقوام شرط للعمل الصحافي، والموهبة والعفة تقتل بفعل عمد وتشن الحرب على حاملي رسالتها، كما تصف الصحافية الشابة هدى الربيعي.

وتوضح الربيعي، أن “الموهبة وحب العمل الصحافي من الصغر كأحلام العصافير، والكابوس تجلى عندما دخلت في هذا المجال للأسف، فالاختيار يتم بعيدا عن الثقافة والموهبة والمعرفة، والمعيار الأساسي القوام والجمال والابتسامة والضحكات العريضة التي على أساسها تكون المفاضلة بين المتقدمات للعمل في المؤسسات الإعلامية وهذا ما واجهته مع كثير من الزميلات”.

وتلفت الربيعي إلى أن “المعيار الآخر لحصول الفتاة على عمل صحافي المحسوبية والمنسوبية، فيجب أن تكون أبنة أحد المسؤولين أو قريبته، والسبب في ذلك هم المسؤولين السياسيين والصحافيين الذين يملكون المؤسسات أنفسهم، والأجدر بالقائمين على المشهد الصحافي في المحافظة، إقامة الورش وبرامج التدريب الى الراغبين في العمل الصحافي من البداية لضمان الحفاظ على أخلاقياتها”.

وكان المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، جورجي بوستن، أوضح في كلمة ألقاها خلال احتفالية اليوم العالمي للصحافة، التي نظمها مجلس النواب العراقي إن “الأمم المتحدة تسعى إلى تعزيز الأسس القانونية لوسائل الإعلام الحرة والمستقلة وخصوصاً في البلدان التي تمر بمراحل تحول أو إعادة بناء بعد الصراع كما يحصل في العراق”، مبينا أن “حرية وسائل الأعلام تواجه قيوداً شديدة في مختلف أنحاء العالم”. وأضاف بوستن أن “الصحافة تلعب دورا حاسما في تحويل المجتمع من خلال إعادة تشكيل جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية”، مشيرا إلى أن “الأمم المتحدة تقدر جهود مجلس النواب العراقي في اختيار التشريعات التي تضمن حرية الصحافة والإعلام بشكل عام وحماية العاملين في هذا المجال”.

وشدد بوستن على “ضرورة العمل المشترك وبذل مزيد من الجهود للوصول إلى عراق يكفل حرية التعبير”، داعياً نواب البرلمان وممثلي الإعلام في العراق إلى “أن يكون بلدهم قدوة في المنطقة لحرية الصحافة”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *