العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen Al-Zerganiأعاد مشهد دفع الخمسين امرأة في البصرة (فصلية)، لفض نزاع عشائري بين قبيلتين، الى ذاكرة المواطنة، رسمية صالح (47 سنة)، ما مرت به من أحداث قبل 31 سنة، حين تم اقتيادها في السادسة عشر من عمرها، دون وعي الى أين شد أهلها بها الرحال، وكيف كانت ليلتها الأولى كعروس الى رجل يكبر أباها بتسعة سنوات، وما أصبحت فيه بأول أيامها كخادمة لا زوجة تبحث عن الرضا خوفا من العقاب.

وكان العرب يدفعون ببناتهم وأخواتهم مع الدية الى ذوي المقتول، تحت مسمى الزواج، (الفصلية)، بحجة إنجاب الأطفال لتعويضهم عن فقدانهم من قتل، لتبرد نار العداوة والثأر انتقاما بين القاتل والمقتول، فتكون الفصلية ضحية البيئة التي تعيش فيها مكرهة، تعاني قسوة الكلام والتنكيل والتجريح مسلوبة الكرامة والإرادة.

أسم (الفصلية) سيرد رمزا في القصة بناء على طلبها خشية من التبعات الاجتماعية.

وتروي صالح قصتها، وتقول، إن “ابن عمي قتل قبل 31 سنة، أحد الجيران بعد خلاف ومشادة كلامية حصلت بينهما، بسبب دخول بقرة الجيران على حقل خضروات بيت عمي، فأخرج خنجره وأخذ يطعنه حتى أرداه قتيلا، وتركه في الحقل، وعاد راكضا الى بيته، كانت بيوتنا الطينية متجاورة في القرية التي نسكنها”.

وتوضح الفصلية، أن “صوته جعلني وأمي نطل من أعلى الجدار لنستعلم منه عما حدث، (ما زلت أتذكر صوته وصراخه ومنظره وحركاته)، وكيف ارتعد أبي وإخوتي وعمي وأبنائه عندما سمعوا منه ما حدث في الحقل، فركض الجميع كل باتجاه بندقيته وأحاطوا بمنازلنا لحمايتها خوفا من ردة فعل ذوي المقتول وعشيرته”.

وتضيف صالح، أن “السادة والوجهاء جاءوا بعد وقت قصير الى بيتنا واستعلموا من عمي عما حصل، فأخبرهم بالقصة، وسألوه عن ابنه فأجابهم بأنه هرب من القرية، فطلبوا منا الاستعداد لخيار (الإجلاء)، حتى يتم الاستماع الى ذوي الضحية والعمل على إقناعهم بالصلح”.

وتستدرك الفصلية، أن “المفاوضون عادوا الينا في آخر النهار، وطلبوا منا مغادرة بيوتنا خلال يوم واحد فقط، ولمدة سنة على ان يتم دفع خمسة آلاف دينار، وهو مبلغ ضخم جدا في حينه، ومعه امرأتين كدية لذوي المقتول، وهنا حلت بنا الكارثة، اذ لم يكن لعمي بنات على خلاف والدي الذي لم يكن له ولد، فاجتمعا وبحثا أمرهما في كيفية تأمين المبلغ ومن سيدفعون منا كضحية لتدفع ثمن جريمة لم تقترفها، لكن العادات والتقاليد قد فرضت قولها الفصل على جميع الاعتبارات”.

ضحايا

وتتابع صالح، أن “الاختيار وقع علينا أنا وأختي الصغرى التي تبلغ الرابعة عشر من العمر حينها بسبب زواج أخواتي الأخريات، وليس من أخ ثالث لعمي وأبي، فلم يكن من بد للتهرب من الخيار، ومن ترفض منا ستقتل على يد أبوها، فجمعنا الأخوان وأبلغونا بقرارهما، لم اعرف حينها ماذا تعني الفصلية كنت أسمع بها فقط!، فسألنا أمنا عن ذلك وحين علمنا ما هي ارتعبنا كثيرا، لم أتوقف وأختي عن البكاء، خوفا وخشية من القادم المجهول”.

وتبيّن الفصلية، أن “أبي ذهب ليلتها الى كبير القرية، وطلب منه التدخل لإعفاء أختي الصغرى مع قبوله بتزويجي ودفع المبلغ، وجاء الرد صباحا بالقبول، دون الإفصاح عن الزوج، فليس من حق القاتل معرفة من سيقتص منه لجريمته!، فغادرنا القرية واستأجر والدي وعمي لنا منزلا في مركز مدينة الشامية (40 كم غربي مركز مدينة الديوانية)، وسرعان ما مرت الأيام، وحان الوقت لتذهب (المشية)، مجموعة من الوجهاء وكبار القوم وشيوخ العشائر يجتمعون للذهاب الى ذوي المقتول لإجراء الصلح ودفع الدية”.

وتتابع صالح، أن “كلمة رعب أقل ما يمكن وصفه لما كنت أمر فيه خلال تلك الفترة، على الرغم من فرحتي بنجاة أختي من ذات المصير الذي لا أعرف عنه شيئا”، وتشير الى أن “الرجال دفعوا الدية، واتفقوا على أن أزف لهم كـ(فصلية)، في آخر الأسبوع، وعندما أخبرني أبي بأن زوجي سيكون والد المقتول المتزوج من ثلاثة نساء، أحسست بسكين مرت على عنقي وذبحتني، فالرجل أكبر من أبي بسبعة سنين”.

عقاب بلا ذنب

وتمضي الفصلية بـ”البكاء”، قائلة، إن “العريس لم يقدم لي أي شيء، كمهر للزواج، وجاء ذات ليلة شيخ المسجد مع أبي، وأتم عقد الزواج بالوكالة، وحين جاء موعد الزفاف، لبست عباءتي دون أي مظهر فرح، وكأنني مساقة الى قبري، وحين وصلت الى بيت العريس، أحسست بنظرات الجميع تريد التهامي، خاصة نساء زوجي، فأدخلوني الى غرفة طينية فيها فراش وصندوق وفانوس فقط، لم يكن المكان يعني لي أي شيء، فالجسد بلا روح لا يعي الأماكن ولا الأزمنة”.

وتوضح صالح، أن “هاجسي الذي رافقني من ساعة خروجي من منزل أبي، حتى وصولي الى بيت والد القتيل، الزوج، هو ما ذنبي لأدفع ثمن جريمة لم اقترفها، لم أعاقب بجريرة غيري، ما هو شكل التعامل الذي سيتخذونه معي”.

رعب بليلة الزفاف

وتلفت الفصلية، الى أن “دخول زوجي كان مرعبا للغاية، مغبر الوجه، نظرات الشر تتطاير من عينيه، فاجأني بصفعته، شعرت وقتها أن غشاوة نزلت على عيناي، فقدت الإحساس وقتها بكل ما هو حولي، والقى بي كدجاجة على الفراش، واغتصبني بعنف، كنت اشعر بأن أنفاسه تخترقني، حتى غبت عن الوعي، وبعد حين، فتحت عيناي فوجدت ملابسي ممزقة، وآثار الضرب في جل أجزاء جسدي، لم يكن في يدي شيء أفعله لنفسي سوى البكاء، فكرت بأكثر من طريقة للانتحار لكن الخشية مما سيلحق بعائلتي كان يمنعني”.

وتصف صالح، “صبيحة عرسها كانت تختلف عن الأخريات، دخلت لغرفتي ضرتي وبيدها (فالة)، عصا طويلة بطرفها ثلاثة أو خمسة أسنان مدببة تستخدم في جمع القش من الحقل، وطلبت مني الخروج معها الى الحقل، لم أنبس ببنت شفة، ومن دون إفطار، ذهبت معها وجسدي يرتعد من قلة الطعام والخوف، بقيت أعمل على جمع القش حتى زوال الشمس، لم يأتي لي أحد بأي طعام أو شراب، وكأني حيوان أجرب ينفر منه الجميع تلاحقني عيونهم، وقبل العصر بقليل، جاءت الضرة ومعها نصف رغيف خبز وحبة طماطم وقليل من الماء، الذي لم أتمالك نفسي في ترك شيء منه لشدة عطشي”.

حياة العبيد

وتقول الفصلية، إن “حياتي كانت كحياة العبيد أو الخدم، بل أن الخادمة أفضل فلها أجرة وكسوة وطعام، وهذا ما لم يكن لي، كانت كثير من الأشياء محرمة وممنوعة عني منها زيارة أهلي، أو السماح لأحد منهم المجيء، كنت أكره الليل لأني أشعر بنفسي كبهيمة تؤتى رغما عنها، حملت في أول الأبناء، عانيت ما عانيت حتى وصلت الى يوم ولادته، وما أن وطأ الدنيا حتى سرق كما سرق العمر والشباب مني، كانت الضرة الكبرى صاحبة الشأن والقول الفصل، لم أعرف اسمه إلا بعد عشرة أيام، ولم اره على الرغم من وجوده في غرفة لا تبعد عن غرفتي أكثر من عشرة أمتار، كنت أبكي مع بكائه، وحين يدر الحليب من نهدي أن شعر بالجوع، كنت أعيش وسط غابة تسكنها الوحوش وليس بنو البشر”.

وتتابع صالح بحسرتها، أن “الله رحمني بمرض زوجي، الذي تدهورت صحته سريعا بعد ولادتي، وما هي إلا خمسة أشهر حتى فارق الحياة، كنت أتوهم أن القيد انكسر، وحريتي باتت وشيكة، لكن كان وجوده أرحم بكثير مما قاسيت بعد وفاته، من الضرة وأبناء زوجي وبناته، نسيت اسمي فليس من أحد يناديني به، وكان اسمي في منزلهم (الفصلية)”.

مخاطر زواج الإكراه

لزواج الإكراه تبعات وتداعيات خطيرة في بناء الأسرة نواة المجتمعات، تؤدي الى تفكك النسيج الاجتماعي وتتسبب بولادة أطفال في بيئة سلبية، رأي للباحث الاجتماعي سامر شمعة الجنابي.

ويقول الجنابي، إن “إجبار المرأة على الزواج له تداعيات خطيرة على بناء الأسرة نواة المجتمع، ومتى ما شعرت المرأة بفقدان كيانها كزوجة وأم، انعكس ذلك سلبا على تربية الأطفال، وبالتالي نسهم في دمار المجتمع، والعادات القبلية التي تجعل المرأة تدفع ثمن جريمة لم تقترفها، ودفعها (فصلية)، الى أسرة المجني عليه، سيشعرها بالظلم، وبالتالي فأنها ستكون عاجزة عن التحكم بغرائزها، أسوة بالزواجات المستقرات، وتفقد العلاقة والصلة برباط الزواج، وتنسلخ من مشاعرها الأنثوية، الأمر الذي يشكل خطرا حقيقيا على حياتها”.

تقاليد بالية

رفض وانتقاد مجتمعي لظاهرة زواج الإكراه (الفصلية)، ودعوات الى تحرير المرأة من قيود العبودية التي يتزمت بها الرجال، على الرغم من تحريم المرجعيات الدينية للحالة، ورفضها من قبل المنظمات الدولية والمحلية، في بلد يدعي النظام الديمقراطي.

وتقول الناشطة فريال الكعبي، إن “الكثير من الأعراف والتقاليد العشائرية، بعيدة كل البعد عن التعاليم السماوية ومفاهيم حقوق الإنسان الدولية، وما يعرف بالـ(فصلية)، وتزويج النساء بالإكراه للحد من النزاعات بين القبائل، ظاهرة بالية وكنا نأمل ان تتلاشى في العهد الجديد، لكنها عادت كظاهرة ثانية، والدليل ما حدث في محافظة البصرة لأكثر من مرة كانت آخرها زف خمسين امرأة (فصلية)، لنزاع بين رجال القبائل، لتدفع النساء ثمن جرائم لم ترتكبها”.

وتوضح الكعبي، أن “هذه الجرائم لا تمت الى الإسلام بصلة، خاصة بعد إصدار المرجعيات العراقية بيانات شجب واستنكار ضدها، وعلى العشائر أن تدرك عدم شرعيتها وجوازها”.

احتجاج على تشويه مفاهيم الرباط المقدس

فيما تعتبر الناشطة، منار الزبيدي، أن “زواج الإكراه (الفصلية)، تشويه لمفاهيم الرباط المقدس بين الزوجين، الذي يعد باطلا ما لم يقبل ويرضى به الزوجين، وتنظيمنا اليوم وقفة احتجاجية لنبذ الظاهرة وحث المجتمع على رفضها، رسالة منا الى من يتجاوز وينتهك الشرائع السماوية من أجل تقاليد وأعراف بالية لم تعد تنسجم أو تتماشى مع زماننا”.

جريمة بحق الانسانية

الناشط والإعلامي، سامي الصالحي، يعتبر “إجبار النساء على الزواج ودفعها لثمن أخطاء الرجال (الفصلية)، جريمة بحق الإنسانية”، ويبدي استغرابه من “كيفية احتمال قلب الأب لمنظر خروج ابنته مغصوبة الى بيت تكره العيش فيه او زوج مجبرة لتمضي حياتها معه؟”.

ويتساءل الصالحي، عن “النتائج التي سيتسبب بها الآباء لأبنائهم، وما سيسفر عنها من ألم، فهل يستطيع الأب أن يرى ابنته في مثل هذا الموقف؟”، ويدعوا “شيوخ العشائر ووجهاء القبائل ونشطاء المجتمع المدني ومنظماته الى شن حملات متكررة، بالتنسيق مع المكاتب الدينية، للخلاص من الظاهرة التي تسبب كوارث مجتمعية”.

وكان زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، كشف، في (الأول من حزيران 2015 الحالي)، عن وجود معلومات بشأن اقتياد 50 امرأة كفصل عشائري في إحدى محافظات البلاد، وفي حين انتقد فرض مبالغ مالية كبيرة “كدية”، دعا “العشائر إلى تحكيم العقل والشرع ومراجعة الحوزة الدينية.

وكان عدد من شيوخ ووجهاء عشائر وناشطون في محافظة الديوانية، استنكروا أمس السبت، عودة مشاهد “سبي النساء” بحجة الفصل العشائري، وفيما عدوا ذلك “تعدياً” على المرأة وحقها في اختيار الحياة وتقرير المصير، دعت ناشطات إلى التحرر من الأفكار الرجعية والوقوف بـ”حزم” أمام ما حصل في البصرة.

وكانت وزارة الدولة لشؤون المرأة، خاطبت الثلاثاء (2 حزيران الجاري)، الحكومة المحلية في محافظة البصرة بشأن قضية تقديم 50 امرأة فصلا عشائريا نتيجة نزاع نشب بين عشيرتين، مؤكدة عزمها تفعيل الجانب القانوني لإيقاف هذا الانتهاك بحق المرأة.

وأثارت قضية تقديم عشيرة لخمسين امرأة الى عشيرة أخرى كفصل لفض النزاع بينهما ضجة شعبية واسعة، واستياء كبير في أوساط النخب السياسية والثقافية والمنظمات المدافعة عن المرأة بالعراق، كما أثارت القضية جملة تساؤلات عن الوضع العشائري في البصرة، وغياب سيادة القانون، فعد فترة وجيزة من نزاع عشائري تطور الى حرب شوارع بالأسلحة المتوسطة.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *