العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen Al-Zergani

الغجر ايضا بشر

هل ضمنت الديمقراطية والعهد العراقي الجديد الحق في الحياة الكريمة لجميع أبناء الشعب بكافة مكوناته؟، أتمكنت من النجاح في جعلهم بشراً أسوياء كما الآخرين، لماذا يطالبون بما عليهم من واجبات ويستثنون من حقوقهم؟، لما يميزون عن المجتمع بالسوء بوثائق رسمية، تكتب فيها عن عمد كلمة “استثناء”، في شهادة الجنسية العراقية، التي صارت حكرا على من هم دون السادسة عشر من العمر بينهم فقط؟، من المسؤول عن عرقلة معاملاتهم في الدوائر الحكومية عن سابق عمد من أجل الانتقاص منهم، ليكون واحدا من أكبر وأبشع كوابيسهم، لماذا غجر العراق يستغيثون ويطالبون بالعدالة والمساواة بغير صفات أو ألقاب دون غيرهم في باقي الدول؟.

“استثناء” رسمي

حجج وأعذار وتبريرات ووعود كاذبة وغياب كامل للخدمات، وكأن إعلان إبادة جماعية صدر بحق قريتنا الزهور “الفوار”، تبعد 20 كم جنوب شرقي مركز مدينة الديوانية، كما يصف المواطن سليم إحسان منصور.

ويقول منصور، إن “الدستور الذي شدد على حق الكرامة في العيش حبر على ورق، فمعاملة طويلة عريضة بإجراءات أقل ما توصف به “المعقدة”، من أجل تغير لقبي في هوية الأحوال المدنية من (الغجر)، الى العشيرة التي انتسب لها، دون أن أنجح كما هو حال من سبقني في تغيره”.

ويوضح المواطن، أن “عدة مراجعات استنزفت كثير من الأموال والجهد، لكنها أسفرت بالحصول على هوية الأحوال المدنية لأفراد أسرتي، لكن دون إصدار شهادة الجنسية العراقية لمن تتجاوز أعمارهم السادسة عشر، فحرمت بناتي من الحصول على شهادة الجنسية، ومن أصدرت لهم وفق العمر، تم تعليمها بكلمة “استثناء”، لتسبب لنا الكثير من المشاكل في جميع المراجعات الرسمية للدوائر الحكومية”.

ويخشى منصور، من “القادم بكتابة كلمة (الغجر)، في إصدار الهوية الموحدة التي تعوض عن المستمسكات الأربعة (هوية الأحوال المدنية، وشهادة الجنسية، وبطاقة السكن، والبطاقة التموينية)، التي قد تبقي معاناتهم ونظرة المجتمع الدونية لهم”.

مواطنون من الدرجة الثانية

4

التعامل بازدواجية وحرمانهم من حق الحياة وعدم السماح لهم بالتوظيف الحكومي بغض النظر عن الشهادة أو مكان العمل بمجرد قراءة ما كتب في هوية الأحوال المدنية (الغجر)، أو شهادة الجنسية (استثناء)، وكأنهم قادمون من كوكب آخر، كما يصف المواطن عماد عزوري.

ويقول عزوري، إننا “محرومون من التطوع على القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية، فمجرد النظر الى الصفة والاستثناء، نطرد بقسوة ونعلم بـ(×)، في قاعدة البيانات لكي لا نراجع ثانية من أي محافظة، والأسواء من ذلك أننا نطرد حتى كمنظفين في دوائر البلدية لأننا غجر، فالمجتمع ينظر لنا كمواطنين من الدرجة الثانية، بل أحقر من ذلك لنعاني الفقر والحرمان والتهميش”.

لا أمان لنا

تتغير الحكومات ويتهافت عليهم المرشحون قبيل الانتخابات بمئات الوعود، وما أن يصلوا الى كراسي الحكم تتبخر وعودهم وتتلاشى مع الريح، والخشية من الأزمات الأمنية التي تنعكس على قرية الزهور في كل مرة، وتتسبب في تهجير ساكنيها، كما توضح المواطنة أم أحمد.

وتؤكد أم أحمد، على أن “الوعود الانتخابية وسباق المرشحين ينعش حياة القرية، وينعم ساكنوها بوفرة من المياه والطعام والهدايا، لكنها سرعان ما تتلاشى مع فوزهم في الانتخابات، وقد تعودنا هذا المشهد وكأنه أحد مواسم الصيد التي ننتظرها بلهفة على أمل الحصول على مساعدات، تغني نسائنا وأطفالنا عن التسول في شوارع المدينة”.

وتستدرك المواطنة، أن “لا أمان لنا في القرية، ونخشى أي أحداث أمنية قد تطال المحافظة، لأننا أول الضحايا، وقد تعرضنا لعدة مرات الى التهجير القسري، ونهبت منازلنا وهدمّت، رغم خلوها من أي شيء يمكن أن تدنو عليه النفس، لأننا غير قادرين على شراء ما يزيد عن الطعام والشراب وقديم الملابس”.

خدمات مع وقف التنفيذ

43من المسؤول عن خلو القرية من المدرسة الابتدائية أو المستوصف الصحي، والماء الصالح للشرب والكهرباء، فلهفة ساكنو القرية لموعد وصول سيارة الماء الحوضية لملأ الأواني مع مراعاة الاقتصاد في صرفه خوفا من نفاذه، فلا موارد مالية تمكنه من شراء الماء أو أي أشياء أخرى يحتاجون اليها، أسئلة يطرحها المواطن أبو عبد الله على امل الحصول على إجابة لها.

ويقول أبو عبد الله، إن “القرية تخلو من المدرسة وكأن الجهل والظلام كتبا على ساكنيها، لتحرم أطفالنا حق التعلم، على الرغم من مطالبتنا بتحويل البيت الصحي المتواضع في كل أشيائه الى مدرسة دون جدوى”.

ويؤكد المواطن، على أن “القرية أصبحت مكبا لنفايات البلدية، التي صارت تعلو المنازل، وتضطرنا الى رفع سقوف بيوتنا بين حين وآخر، إضافة الى الروائح الكريهة التي تحرمنا من الهواء النقي، ويظهر اننا منفيون محكومون بالإعدام مع وقف التنفيذ، على الرغم من مشاركة أبنائنا في الحشد الشعبي للدفاع عن أرض العراق وشعبه، واختلطت دمائهم بدماء رفاقهم، وشيعنا منهم الشهداء، فمتى سنكون أسوياء في نظر الحكومات والمجتمع؟”.

أطفال يرغبون استبدال بيتهم الصحي بمدرسة

دمعة بريئة نزفتها عيون الطفلة، نور حميد، ذات التسعة أعوام، ما أن ذكر اسم المدرسة، لتسأل عن موعد السماح لها بالدراسة لتعرف كما يعرف الآخرين فليس ذنبها ان كان ذويها من الغجر.

وتتساءل نور، عن “أسباب الحكم علي بالجهل وعدم معرفتي بالقراءة والكتابة أسوة بقريناتي من خارج القرية؟، لماذا لم تبن لنا الحكومة حتى الآن مدرسة؟، كم أتمنى أن أكون كباقي الأطفال الذين يذهبون الى المدرسة ويتعلمون”.

12منظمات دولية تسعى لتنفيذ مشاريع عدة الغاية منها عدم التمييز بين المواطنون في بلد رفع شعار الديمقراطية وأقر دستورا كفل فيه حق الأقليات.

وتوضح منسقة العراق لمنظمة باكس الهولندية، ابتسام لطيف، أن “هدف المنظمة العمل على حماية وتعزيز حقوق الأقليات في العراق والغجر مكون مهم من المكونات العراقية، وحضورنا الى قرية الزهور لرصد الانتهاكات التي يتعرضون لها، وللأسف لمسنا الكثير من التهميش والاقصاء، ووضع سمة الغجر بدل اللقب وعدم منح من يتجاوز الثامنة عشرة من العمر شهادة الجنسية العراقية، مع تأشيرها بالاستثناء”.

وتتابع لطيف، أن “هذه الأفعال تعيق اندماجهم في المجتمع، ويصعب عليهم فرص الحصول على عمل، وحرمان أطفالهم من حق التعلم لعدم وجود أي مدرسة في القريو أو على مقربة منها، ناهيك عن البيت الصحي الفقير الذي يحتاج الى الكثير من المقومات لنطلق عليه مستوصف أو بيت صحي، الأمر الذي سيبقيهم في حالة من الفقر والاحتياج الشديد الذي يجبرهم على التسول وممارسة البغاء”.

وتؤكد منسقة العراق لمنظمة باكس الهولندي، على أن “المنظمة ستسعى بجدية الى التنسيق مع الحكومات المحلية والاتحادية، لدعم وإسناد الغجر وإنجاح برنامج المنظمة (كلنا مواطنون)، وتحقيق أهدافه الإنسانية التي تتعامل مع الجميع بمشترك واحد دون النظر الى غيره، الإنسانية التي تجمع بني البشر على الأرض”.18

وكان ناشطون في محافظة الديوانية، (تبعد 180 كم جنوب بغداد)، أطلقوا عدة حملات لمناصرة الغجر والمطالبة بحقهم في الحياة كان آخرها حملة (الغجر هم أيضا بشر).

ويرى بعض المؤرخون أن الغجر في العراق يشكلون أقلية عرقية حيث يتراوح عددهم بين 50 و200 الف نسمة، ينتشرون في جماعات صغيرة على عموم العراق ويسكنون في تجمعات قروية أو بشرية عادة ما تكون منعزلة عند اطراف المدن أو الأقضية، حيث توجد تجمعاتهم في (بغداد- أبي غريب والكمالية – والبصرة – شارع بشار وحي الطرب على طريق الزبير- والموصل في -هجيج والسحاجي)، إضافة إلى بعض القرى في سهول جنوب العراق كالديوانية -قرية الفوارة- والمثنى ومنطقة -الفجر – في الناصرية.

22ويعتقد البعض أن كلمة (كاولي) تعني (كابولي)، أي قادم من كابول عاصمة أفغانستان، وهذا الجواب يحمل شيئا من الحقيقة، كما يقول اللغوي العراقي مصطفى جواد ، فالغجر اصلهم من الهند وأفغانستان وخصوصا المناطق الجبلية في هذه المناطق، فبشرتهم ولون عيونهم وقوامهم تشبه سكان جبال الهند وأفغانستان، وقد بدا هؤلاء الأقوام يصعدون الى الشمال الغربي منذ الألف الثاني قبل الميلاد ، ودخلوا بلاد فارس ثم نزلوا السهل العراقي في الألف الأول ق.م. وكانوا بدوا رحلا يعتاشون على منتجاتهم الحيوانية خصوصا الحليب وأيضا امتهنوا مهنة الرقص والغناء الذي حملوه معهم من ديارهم ليمارسوه في أفراح المناطق التي ينزلون جوارها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *