لمشاهدة القصة على قناتي في اليوتيوب انقر على الرابط التالي

العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

لم تتمكن بنود الدستور بعد من ضمان كرامة العيش للعراقيين، فالتعليمات والأوامر الوزارية التي أغفلتها المؤسسات الحكومية، جعلت من تلك المواد حبرا على الورق ليس أكثر، فالضرائب تارة والأزمات المفتعلة في أخرى، وملاحقة الفقراء لزيادة أوضاعهم سوءا، وصلت اليوم لتطال بعضهم لينعم الآخرين بوفرة الأرباح على حساب كرامة العيش، التي تطمح لها أسرة حسينة حسن عبيد، أم علي (42 سنة)، وكثير مثلها يقاسونها وجع ما مر بها.

Journalist Tahseen Al-Zergani

لم يكتفي السرطان بتهديد حياتها بل التهجير لهم بالمرصاد

وتروي أم علي قصتها، وتقول، إن “حملي لابنتي شذى ذات العشرين عاما، المصابة بمرض السرطان على كتفي، ومسك ولدي علي المصاب بمرض في عينه اليسرى بطرف عباءتي، وذهابي بهم إلى أحد أقسام الشرطة، بعد ورود عدة بلاغات بحقي من الشركة العامة للصناعات المطاطية، التي أعمل فيها منذ أكثر من عقدين، لم يشفع لي ليخلصني من السجن مع جارتي وزميلتي، لنقف خلف قضبان زنزانة حالت بيني وبين أبنائي المرضى، لتجمعنا الدموع والألم على ما آلت اليه أحوالنا”.

وتوضح عبيد، أن “شرطيا طرق بابي وباب جارتي وزميلتي في المصنع قبل يومين، وطلب منا مرافقته الى مركز الشرطة لإجراء التحقيق بموجب أمر قضائي، فحملت شذى وعلي معي، أملا في أن يرق قلب المحقق عندما يرى حالهما، لكن للأسف أمر بتوقيفي مع جارتي في الزنزانة حتى تحصل كل منا على كفيل بمبلغ مليوني دينار، كضمانة لإخلاء الدار التي نسكنها خلال سبعة أيام فقط، بالكاد تمكنا من إقناع الجيران بكفالتنا لنخرج من السجن”.

وتضيف عبيد، أن “بعد مرور ثلاث سنوات على تعيني، خصصت لي إدارة المطاط قطعة أرض سكنية، وقمت بترويج معاملتها وسددت ثمن تخصيصها، لكن انشغالي بعلاج شذى من السرطان في مستشفى النعمان حتى 2003، التي انتهت بتغير النظام، منعني من متابعة الإجراءات، فراجعت إدارة المصنع ومديرية البلدية، اللتان كان ردهما ان لا معاملة تمليك لمن صادق عليها النظام السابق، على الرغم من توكيلي لمحام تابع القضية دون جدوى”.

وتلفت أم علي، أن “أحد زملائي في المطاط اقترح ذات يوم، أن أبني على قطعة تابعة الى وزارة الصناعة، ولكوني غير مستفيدة قد أشمل برعاية وزارتي، وبالفعل اتفقت مع أحد المقاولين على بناء غرفتين وملحقاتها الصحية على قطعة لا تتجاوز 100م2، على أن أسدد له كامل مرتبي الشهري البالغ 300 الف دينار فقط، والجأ الى غسل ملابس الجيران والطبخ لهم بعد عودتي من ساعات عملي في المصنع، لأوفر 125 الف دينار أدوية لشذى، ونحو مئة ألف دينار علاجات علي، وقرابة الخمسين ألف دينار لشراء الحفظات، وتوفير الطعام والشراب ومستلزمات البيت، التي كان الجيران وأهل الخير يساعدوني بتأمينها”.

وتشير عبيد، الى أن “قانونية الشركة العامة للصناعات المطاطية، أقامت دعاوى قضائية بحقنا كمتجاوزين على قطع الأراضي، التي تعود ملكيتها الى وزارة الصناعة والمعادن، وقد منحنا القضاء مهلة أسبوعين فقط لإخلاء الدور التي نشغلها قبل هدمها، وهذا ما لن اقدر عليه، وقد أحضرت أكفانا لي ولأبنائي، سنرتديها وسأنام على عتبة الباب فيما لو جاء (الشفل)، آلية كبيرة لهدم الدور، لأموت قبل أن أشاهد ضررا يقع على أبنائي المرضى، وتصدق مسؤولة الدائرة القانونية صدق ادعائي بمرض أبنائي وتكف عن الاستهزاء بنا”.

وتدعوا أم علي، “الحكومة ووزير الصناعة ومقتدى الصدر ومراجع الدين، الى قبول تطوعها كاستشهادية تفجر نفسها على عناصر داعش، مقابل تمليك أبنائها قطعة الأرض التي يشغلونها”.

تلفيق التهم

وفي ذا1ت الحي الذي تسكنه أم علي، لفقت الدائرة القانونية في الشركة العامة للصناعات المطاطية للمواطن صباح جبار (43 سنة)، عدة تهم في امتلاكه ملعبا لكرة القدم ومجمع سكني ومولدة وأسواقا لتجارة المواد الغذائية.

ويوضح جبار، أن “الدائرة القانونية في الشركة العامة للصناعات المطاطية أقامت بحق تسعة متجاوزين من أصل نحو 450 متجاوزا على أراضيها دعاوى قضائية، ولفقت لي خمسة تهم أولها امتلاك ملعب لكرة القدم على واحدة من الأراضي المتجاوز عليها، ولا علاقة لي بالملعب كونه مثبت في الخرائط التصميمية للمنطقة على أنه ملعب لكرة القدم نفذته منظمة “ميرسي كور”، وأسواقا لبيع المواد الغذائية، وهي عبارة عن كشك من (الجينكو)، الحديد الخفيف، تعود ملكيته لأحد الجيران، ومولدة يملكها المواطن كامل حسون راهي، وبناء مجمع سكني يضم ثلاث دور وهذا غير صحيح وجميع المواطنون يشهدون بذلك فلا امتلك أكثر من 50م2 فقط”.

ويتابع المواطن، أن “الدائرة القانونية ساومتني مساومة صريحة وعلنية بين إخلائي للقطعة التي اسكن بها مع أسرتي وأسرة أخواي الشهيدان، أو تكسيري وتلفيق التهم ضدي أمام المحاكم والقضاء، والسبب في ذلك أن القطعة التي نشغلها مصممة كحديقة عامة، لكنهم اتفقوا على بيعها الى احد التجار المنتفعين المتجاوز على أكثر من قطعة دون أن يمر به أحد، بعد إخلائها من شاغليها بمبلغ نصف مليار دينار، بصفقة مشبوهة بين المطاط وبين التاجر”.

ويضيف جبار، أن “أكثر من 57 قطعة أرض بأماكن متميزة متجاوز عليها من قبل مسؤولين حكوميين لكن أحدا لم يتقرب منهم أو يتجرأ على رفع الدعاوى بحقهم”.

ويصف المواطن، أن “الدائرة القانونية تعمد الى التهجير القسري بحقنا”، ويتساءل عن “بنود الدستور في حق العيش الكريم، الذي ينتهك حق العراقيين كل يوم ويستثني المسؤولين، الذي تملكوا في أحسن المناطق بعشرة آلاف دينار للمتر الواحد، لتتم ملاحقة الفقراء بحجة التجاوز على أملاك الدولة، فهل هذه دولتكم العادلة التي عشمتمونا بها؟”.

ويدعوا جبار، “المرجعيات الدينية التي افتت بالجهاد ولبينا ندائها للدفاع عن ارض العراق وشعبه، الى تكليف وكلائها ومدراء مكاتبها في السؤال عن أحوال أسر الشهداء، التي تعاني الأمرين وتصارع الحياة من أجل البقاء، دون معيل أو مصدر تمويل، فمكاتب الدين تكتفي بتلاوة سورة الفاتحة، فيما نتحير بتأمين أموال دفن الجثث وتشييع الجنازة وإقامة العزاء، ثم نضطر الى الاستلاف من هذا وذاك، ليأتي اليوم مسؤول من غير محافظة يطمع في استغلال المنازل البائسة التي نسكنها مع اسر الشهداء”.

دم مهدور

وفي واجهة خربة لمنزل يأوي أسرة المقاتل عباس مجيد، أحد شهداء الحشد الشعبي، علقت أمه صورته لتسأل كل قادم الى أين سآخذ ستة أيتام صغار، ودم أبني لم يبرد بعد وزوجته ما تزال في حداد.

4وتقول أم عباس، إن “المجمع السكني الذي أقامت الدائرة القانونية في المطاط دعوى قضائية بحقنا لإخلائه، عبارة عن غرفة تأوي عشرة نسمات، أنا وولدي المعاق العاجز والعاطل عن العمل وزوجته وأطفاله الأربعة، وزوجة ابني الشهيد وزوجته وأطفاله، ولا مورد لنا بعد أن تطوع ولدي في الحشد الشعبي واستشهد، سوى بيع ما تبقى من مفردات البطاقة التموينية ويد أهل الخير، وكأن دمنا مهدور، في بلد لا نعرف فيه كرامة العيش ويسر الحال، ولا نعرف ماذا سنفعل أو الى أين سيكون المصير”.

مهجرون في بلدنا

ويبدو أن القدر حكم على الفقراء بالحرمان من لحظات السعادة، فالمقاتل حيدر جبار، الذي عاد من جبهات الموت والقتال، كان على موعد مع التعاسة والشقاء، ليضيع وقت رؤيته لأطفاله في مراجعة مراكز الشرطة والمحاكم.

7ويصف جبار، أن “دماء أخي المفقود في سبايكر لم تبرد بعد، ودمائي نذرتها من أجل الدفاع عن بلدي، وحين وصلت قبل يومين مجازا من وحدتي، وجدت الحزن مخيما على البيت، وأخبرتني أمي عما دار بغيابي، وإقامة الدعوى القضائية بحقنا لتجاوزنا على 50م2 تسكنها ثلاث اسر تضم 17 نسمة، لنواجه خطر التهجير في بلدنا”.

ويتابع المقاتل، أن “مسؤولة الدائرة القانونية التي رفعت علينا الدعاوى تمتلك القطعة المجاورة لنا، وشيدت عليها بيتا بطابقين، واستهدافها لنا طمعا في توسيع واجهة منزلها”، ويطالب “الحكومة ووزير الصناعة وأعضاء كتلة الأحرار والمرجعية ومقتدى الصدر، بإيجاد بديل للسكن، وان لم يتمكنوا من ذلك فليخبرونا باننا لسنا بعراقيين، ويضعونا على الحدود لنستعطف الدول بالرأفة بحالنا وتوطيننا”.

تعاطف

العشرة والمودة دفعت جيران المهددين بالإخلاء الى الوقوف بجانبهم، ورفع صوتهم مع أصوات المشمولين بقرار الإخلاء، محذرين من دعوة المظلوم.

ويقول مختار حي الغدير، حيدر عبد محمد، إن “قيام شخص من خارج المحافظة، بخطوات تعكر حياة الفقراء في المنطقة، ممن اعتدنا الحياة معهم وبينهم، دون أن يفكر بمصيرهم أو الى أين يمكنهم الذهاب، غير جائز ولن نسكت عنه”، ويتساءل، عن “إمكانية توفير خيم أو كرفانات اسوه بالنازحين، بدلا عن تلفيق التهم لهذا المواطن المتجاوز أو ذاك، ولو كان ميسورا أو قادرا على توفير سكن ملائم لما تجاوز وسكن بخمسين مترا مع أسرته أو كما فعلت عدة اسر اضطرت للسكن مع بعضها”.

امتناع عن الرد

8

أكثر من ساعتين ضاعتا في محاولة الحصول على رد من مسؤول الدائرة القانونية في الشركة العامة للصناعات المطاطية، أو من معاون المدير وكالة، أو مسؤول شعبة الأملاك، على الرغم من حصول مسؤول قسم الإعلام حسام الغراوي، على موافقة الوزارة وطلبها ضرورة الرد لبيان موقفها وموجبات وأسباب تنفيذ القرارات والتعليمات الصادرة عنها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *