العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen Al-Zergani

نازحو الأنبار في الديوانية بين الخوف من المجهول وقصص الهجرة والترويع

لم تشأ النازحة ملكة عودة حمادي (74 سنة)، ترك منزلها في قرية (آل بو مرعي)، على مقربة من مركز مدينة الرمادي، أو جدران تحمل ذكريات وشواهد تعتز بها في حياتها، لكن انفجار سيارة مفخخة، أعقبه انتشار مسلحي (داعش)، ومداهمتهم لمنزلها، ومصادرة أموالهم ومقتنياتهم الثمينة، اجبرها مع أبنائها وبناتها على الخروج من المنزل بما عليهم من ملابس، محملين بالقصص كما هو حال الآخرين، الذين اضطروا الى ترك بيوتهم، في رحلة البحث عن وطن يرافقها الخوف من المجهول.

وتقول عودة، إن “المعارك والاشتباكات العسكرية بين ما يعرفون بـ(داعش)، والأجهزة الأمنية وقوات الجيش والقصف الذي تعرضت له مدينة الرمادي لم يرهبنا للحظة، ولم نفكر في يوم ترك منزلنا ومحتوياته خاصة ذكرياتنا فيه”.

وتوضح النازحة، أن “المجاميع الإرهابية فجرت سيارة مفخخة في شارعنا، وقام عدد من عناصر التنظيم بمداهمة المنازل، وأجبروا الأسر على البيعة والقتال معهم، أو مغادرة القرية دون أخذ أي شيء من الأموال والمقتنيات، كونها غنائم محللة عليهم”، وتشير الى أن “مجموعة من المسلحين، داهموا منزلنا وجمعونا في غرفة واحدة، وطلبوا من أبنائي إعلان البيعة والولاء والقتال معهم، أو الخروج فورا من المنزل، فطلبت منهم السماح لنا بمغادرته، خوفا على أبنائي وبناتي من غضبهم، خاصة وأن لدينا معاقين وغالبية أسرتنا مكونة من النساء والأطفال”.

وتتابع عودة، أن “المسلحين فتشوا النساء والشباب، وأخذوا كل الأموال والمصوغات الذهبية، التي كانت بحوزتنا قبل السماح لنا بمغادرة المنزل”، وتلفت الى أن “أرضنا وبيتنا وآثاثنا صارت غنيمة لهم، وللأسف أننا وصلنا الى الديوانية مجردين من كل أشيائنا، فلا أموال أو مصوغات ذهبية بقيت لنا، يمكن من خلال بيعها تأمين حاجاتنا اليومية”.

وتضيف النازحة، أن “لنا أقارب كفلوا دخولنا لدى الأجهزة الأمنية، وقد وجدنا ترحابا وتعاطفا وكرما وحسن استقبال لدى أبناء الديوانية”.

وبالقرب من بيت (ملكة)، في حي الجامعة، شمال مركز مدينة الديوانية (يبعد مركزها 180 كم جنوب بغداد)، سكنت أسرة النازح، خضر حمادي (65 سنة)، من عشيرة (آل بو نمر)، ليستذكروا ما شاهدوه ليستفحل على حياتهم ويقلق نومهم، في الخشية من قادم الأيام.

ويقول حمادي، إن “مسلحو (داعش)، استباحوا قرية (زوية)، التابعة الى قضاء هيت (يبعد مركزه 70 كم شمال مدينة الرمادي)، وعندما بدئوا بقتل الشباب، اضطررت الى الخروج بعائلتي لمدينة الرمادي لأحافظ على حياتهم، فتركنا خلفنا كل ما نملك من أموال ومقتنيات ومواشي، ناهيك عن الذكريات”.

ويتابع النازح، أن “سيطرة مسلحي (داعش)، على مدينة الرمادي، (يبعد مركزها 108 كم غرب بغداد)، أجبرنا على مغادرتها، ولم نجد مكانا آخر يؤينا سوى مدينة الديوانية، التي لدينا فيها معارف وأقارب، فاتصلنا بهم وجئنا الى المدينة وقبل الدخول طلبت منا احدى نقاط التفتيش الاتصال بكفيل، وبالفعل جاء لنا وزودهم ببياناته وأدخلنا، فيما بقي الآخرون ممن ليس لديهم كفيل”.

ويبدي حمادي، قلقه من “القادم المجهول من الأيام المقبلة، حيث لي خمسة بنات وزوجة تصاحبها الأمراض المزمنة، دون مال أو أي مصادر تمويل، يمكن الاعتماد عليها لتوفير لقمة العيش الكريم لبناتي”.

دائرة صحة الديوانية، نظمت حملة صحية، بعد تسجيلها دخول نحو تسعين أسرة نازحة من الأنبار، لتلقيح الأطفال ممن فاتتهم الجرعات الدورية ومعاينة كبار السن والمرضى.

ويقول مدير عام صحة الديوانية، الدكتور عدنان تركي علوان، إن “الدائرة نظمت وبالتنسيق مع أقسامها الصحة العامة، والأمور الفنية، فور تسجيل نحو تسعين أسرة نازحة، حملة توعوية تثقيفية وقائية علاجية، لحماية ضيوفنا من أبناء مدينة الأنبار من الإصابات الانتقالية وعلاجهم من الأمراض وتلقيح أطفالهم، الذين حرموا جراء الأوضاع الراهنة وما شهدته مدنهم خلال العمليات العسكرية، من الدورات والحملات اللقاحية”.

ويوضح علوان، أن “الحملة شملت أيضا النازحين من محافظات شمال وغرب البلاد، الذين يسكنون المجمع السكني، والبالغ عددهم (250) أسرة نازحة، يشكلون نحو (1250) نازحا”، وشير الى أن “الحملة تضمنت رش المبيدات وتعفير الجحور لمكافحة القوارض، وتلقيح الأطفال، وتطوع العديد من أطباء الاختصاص والممارسين في جميع الاختصاصات لفحص وعلاج كبار السن والمعاقين”.

ازدياد أعداد النازحين من محافظة الأنبار، حمل دائرة الهجرة والمهجرين المزيد من المسؤوليات، ووضعها أمام الأمر الواقع للعمل على توفير المأوى والمساعدات الإنسانية، كما يرى مدير دائرة الهجرة والمهجرين، علاء الصالحي.

ويبيّن الصالحي، أن “أعداد نازحي مدينة الأنبار ممن تم تسجيلهم بلغ لغاية اليوم (89)، أسرة نازحة، تشكل نحو (400) نسمة، ونتوقع زيادة في أعدادهم خلال الأيام المقبلة، على الرغم من توصيات اللجنة الأمنية العليا بحصر الموافقة على الدخول برئيس اللجنة محافظ الديوانية”.

ويلفت مدير الهجرة والمهجرين، الى أن “أعمال المديرية لم تتوقف ليوم واحد، ومستمرة لغاية الآن في تسجيل بيانات النازحين، لكننا نتعامل مع نازحي الأنبار بخصوصية، كونهم مسجلين كنزوح داخلي، واستلموا منحة التهجير، وسنعمل على توفير المساعدات الإنسانية فقط”.

ويؤكد الصالحي، على أن “مشروع إيواء النازحين الذي يحتوي على ألف كرفان، تم استكمال جميع خدماته المتعلقة بالبنية التحتية وخطوط نقل الطاقة الكهربائية والماء الصالح للشرب والأسيجة الخارجية، بعد أن أحالت المحافظة مشروع إنشاء الكرفانات بدعوة مباشرة الى احدى الشركات المحلية بعد استحصال موافقة اللجنة العليا للنازحين”.

الهاجس الأمني والخشية من استغلال الإرهابيين لبعض الأسر النازحة، لاستهداف الديوانية التي تعيش حالة من الاستقرار الأمني، دعا حكومتها المحلية الى إصدار تعليمات خاصة بدخول النازحين من مدينة الأنبار، كما يوضح عضو مجلس محافظة الديوانية حيدر الشمري.

ويقول الشمري، إن “الحملة الإعلامية التي رافقت نزوح المواطنين من مدينة الرمادي، دعت حكومة الديوانية الى العمل على السماح للأسر المعرفة بكفلاء معرفين لدى الأجهزة الأمنية والمسؤولين الحكوميين، ما عدا الشباب من عمر (18-50 سنة)، لحاجة المحافظات التي تشهد عمليات عسكرية الى أبنائها في الدفاع عنها الى جانب قواتنا المسلحة والأجهزة الأمنية والحشد الشعبي الذي انخرط فيه أبناء العشائر”.

وكانت محافظة الديوانية، استقبلت في وقت سابق نحو 4070 أسرة نازحة تضم قرابة 25 الف نسمة، من محافظات الموصل وصلاح الدين وديالى وشمال بابل.

وكانت إدارة محافظة الأنبار، أعلنت، اليوم الأربعاء، عودة 1700 أسرة نازحة إلى مدينة الرمادي (110 كم غرب بغداد)، وفيما لفتت إلى عدم السماح للنازحين من المناطق الأخرى في المحافظة بالعودة إلى المدينة، أكدت وجود عمليات عسكرية على مناطق السجارية والبو فراج.

وكانت الأمم المتحدة، أعلنت، أمس الثلاثاء، بان عدد النازحين من مدينة الرمادي في محافظة الأنبار خلال الأسبوعين الماضيين بلغ اكثر من 114 الف نازح، فيما أعربت عن قلقها إزاء الصعوبات التي يواجهها النازحون، أكدت أن عدد الذين تم تهجيرهم في العراق منذ بداية عام 2014 بلغ اكثر من 2.7 مليوني نازح.

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، في (18 نيسان 2015)، عن انطلاق العمليات العسكرية في مناطق شمالي الرمادي، (110كم غرب بغداد)، وأكدت أن تنظيم (داعش) أصبح تحت “مطرقة النار”، وفيما رجح أن تشهد الساعات المقبلة “تطورات كبيرة”، لفتت إلى أنها ستعمل ممرات آمنة لخروج الأسر المحاصرة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *