رأي حر/تحسين الزركاني

كذبة نيسان وسقوط صنم في وحل الديمقراطية

كذبة نيسان وسقوط صنم في وحل الديمقراطية

كذبة نيسان التي انتشرت بشكل واسع بين غالبية ‏شعوب العالم في القرن التاسع عشر، التي عدها البعض بأنها، تقليد أوروبي قائم على المزاح، بإطلاق الإشاعات والأكاذيب بين الناس لصيد ضحية “كذبة أبريل”، وتعود أصول التقليد بحسب بعض الآراء بأن هذه العادة بدأت في فرنسا، بعد تبني التقويم المعدل الذي وضعه شارل التاسع عام 1564م، وكانت فرنسا أول دولة تعمل بهذا التقويم وحتى ذلك التاريخ كان الاحتفال بعيد رأس السنة، الذي يبدأ في يوم 21 مارس وينتهي في الأول من أبريل بعد أن يتبادل الناس ‏هدايا عيد رأس السنة الجديدة.

وعندما تحول عيد رأس السنة إلى الأول من يناير، ظل بعض الناس يحتفلون به في الأول من أبريل كالعادة، ومن ثم أطلق عليهم ضحايا أبريل وأصبحت عادة المزاح مع ‏الأصدقاء وذوي القربى في ذلك اليوم رائجة في فرنسا ومنها انتشرت إلى البلدان ‏الأخرى وانتشرت على نطاق واسع في إنجلترا بحلول القرن السابع عشر الميلادي ويطلق ‏على الضحية في فرنسا اسم السمكة وفي إسكتلندا نكتة أبريل.

ويرى آخرون أن هناك علاقة قوية بين الكذب في أول أبريل وبين عيد هولي المعروف في الهند والذي يحتفل به الهندوس في 31 مارس من كل عام، وفيه يقوم بعض ‏البسطاء بمهام كاذبة لمجرد اللهو والدعاية ولا يكشف عن حقيقة أكاذيبهم هذه إلا مساء اليوم الأول من أبريل.

وهناك جانب آخر من الباحثين في أصل الكذب يرون أن نشأته تعود إلى القرون ‏الوسطى إذ أن شهر أبريل في هذه الفترة كان وقت الشفاعة للمجانين وضعاف العقول، ‏فيطلق سراحهم في أول الشهر ويصلي العقلاء من أجلهم وفي ذلك الحين نشأ العيد ‏المعروف باسم عيد جميع المجانين، أسوة بالعيد المشهور باسم عيد جميع القديسين.

وقد أصبح أول أبريل هو اليوم المباح فيه الكذب لدى جميع شعوب العالم ‏فيما عدا الشعبين الإسباني والألماني والسبب أن هذا اليوم مقدس في إسبانيا دينياً أما في ألمانيا فهو يوافق يوم ميلاد “بسمارك” الزعيم الألماني المعروف.

وفي العراق عرفت كذبة نيسان في نهاية القرن الماضي، لكنها تجسدت بعد أسقاط نظام صدام حسين في التاسع من نيسان، على يد قوات التحالف الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي أسقطت تمثال الرئيس السابق في ساحة الفردوس وسط مركز العاصمة العراقية بغداد، لتعلن في ذلك اليوم نهاية أعتى الأنظمة الدكتاتورية في العالم، وولادة أول تجربة ديمقراطية في الشرق الأوسط والعالم العربي، دون أن يلحظ أحد التاريخ ومدى علاقته بنيسان وكذبته التاريخية بحسب ما تقدم.

فالديمقراطية العراقية لم تتعد كونها، “كذبة نيسان”، ونحو ثلاثة عشر عاما من الزيف شاهد على ذلك، الوهم الذي لم يتعدى أشهرا من الفرحة بخير قادم وفير، سيحول حياة العراقيين بعد ذلك الجحيم الى نعيم مطبق، ينافسون من خيرات بلادهم جميع دول العالم التي لم تستطع امتلاك جزء يسير من الخيرات والثروات التي من الله بها عليهم، لكنها لم تكن أكثر من أضغاث أحلام بل أوهام في عقول الحالمين.

فعباءة الديمقراطية التي غطت بعض العمائم المنتفعة، وشيوخ ريف لا يفقهون سوى كثرة الزوجات، وكم أصبح عدد نعاجهم وأبقارهم، وكم امتدت أراضيهم ليعودوا الى زمن الإقطاع، الذي كان آبائهم فيه سيوفا مسلطة على رقاب الفلاحين والمزارعين الفقراء، ليسهموا في تظليل الشعب بقيادات ليس لها أي ولاء إلا لدول كانوا فيها يغسلون الأطباق والسيارات، تم ترويضهم كما حيوانات السيرك لتؤدي حركات تضحك الجمهور، مقابل قشور موز أو البرتقال، أو ما يتبقى من أعقاب السجائر، ليتربعوا على كراسي الحكم ليس من أجل الشعب بل من أجل مصالحهم وأتباعهم ومقربيهم ومؤيديهم، الذين ارتبط مصيرهم بمصير بقاء أسيادهم الديمقراطيون الجدد.

فكذبة نيسان تجسدت في الديمقراطية الدكتاتورية التي لم يتغير بها شيء الا العنوان الخارجي فقط، فعباءة الديمقراطية جاءت ملائمة الى رداء الدكتاتورية، حيث قمع الحريات بمواد مكافحة الإرهاب والاتهام بمولاة البعث وأفكاره، وفقر زاد من معاناة الفقراء، فيما زاد من غنى الساسة العملاء على حساب دماء أبناء الشعب المبتلى بعمائم العمالة وساسة الحدود، وكأن كذبة نيسان تجددت لتكون عنوان بقائهم الأبدي، في ظل تشريعات هم من يضعها اليوم بدلا عن مجلس قيادة الثورة المنحل، لتفصل التهم جزافا على مقاس المعترضين ضد سياسة الإقصاء والتهميش في وحل الديمقراطية الجديد، لم ننتهي بعد وما يزال ….للكلام بقية…

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *