رأي حر/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen Al-Zergani‎‏.يعد ذراع “رأس الغول”، أحد الأذرع الحلزونية القريبة منا في مجرتنا المعروفة بـ”درب التبانة”، نسبة إلى مركز المجرة وبالنسبة لذراع أوريون الذي تنتمي إلى نجومه الشمس، ويبعد ذراع حامل راس الغول عن ذراع الأورية، نحو خمسة آلاف سنة ضوئية، وقد اشتق الاسم نسبة لأكبر كوكبة نجمية فيه وهي حامل رأس الغول، ويبعد عن مركز المجرة نحو (41) الف سنة ضوئية.

أما مجرتنا المسماة بـ”درب التبانة”، أو طريق اللبانة، بسبب رؤية جزء منها في الليالي الصافية كطريق أبيض من اللبن، يتمثل لمن يراه بسبب النور الأبيض الخافت الممتد في السماء، نتيجة اصطفاف ملايين النجوم السماوية المضيئة، التي تبدو رغم بعدها الشاسع متراصة، كما أن الأبحاث والمسبارات الفضائية أكدت على أن شكل المجرة اذا تمت مشاهدته من مجرة أخرى يكون كشريط أبيض باهت في السماء.

ويبلغ قطر مجرتنا مئة الف سنة ضوئية، وتبعد مجموعتنا الشمسية عن مركز المجرة نحو (26)، الف سنة ضوئية، وكلما اقتربنا أكثر من مركز المجرة كان قياس سرعة دوران الغاز والنجوم بالدقة المطلوبة أصعب، خاصة بعد أن تمكن العلماء مؤخرا من الحصول على دليل رصدي مباشر يشير إلى وجود المادة المظلمة في أعماق مجرتنا ومن بينها منطقة وجود الأرض و “حيّنا الكوني”، والمادة المظلمة التي لابد من وجودها للحفاظ على سرعة دوران النجوم وغيوم الغاز عند القيم التي نرصدها.

والقصة وراء تسمية الإغريقين لـ”درب التبانة”، Kiklos Galaxias، الذي يعني الدائرة اللبنية، أن “الرضيع (هيراكليس)، هرقل في النسخة الرومانية، الذي تعرفه الأمهات الحاضنات في كل مكان، حاول الرضاعة من صدر هيرا، وكإشارة إلى رد فعل خذلان قوي، انتثر بعض الحليب إلى خارج فم (هيراكليس)، وعندما أخفق في أن ينهل من الجدول القدسي، حرم (هيراكليس)، من فرصته في الخلو، أما الحليب الذي تدفق إلى السماء شكل “الدرب اللبنى” أو (The Milky Way)، درب التبانة باللغة العربية.

والتسمية العربية لـ”درب التبانة”، جاءت من تشبيه العرب لما يسقط من التبن الذي كانت تحمله مواشيهم كان يظهر أثره على الأرض كأذرع ملتوية تشبه أذرع المجرة.

والعلاقة بين ذراع رأس الغول في مجرتنا (درب التبانة)، ونشأتها، يشبه إلى حد كبير علاقة العرب المنشقة عن بعضهم بسبب سياسات حكامهم، الذي يرى البعض فيهم كأنهم أنبياء بني إسرائيل أو حواريهم، وينقادون كما البهائم دون عقل خلفهم لتحقيق مكاسب ومصالح وأطماع توسعية تارة وتجزيئية في أخرى، يكون فيها الساسة وحدهم الرابحون على حساب حياة شعوبهم وكرامتها.

فالتاريخ العربي حافل بالخزي والسواد والخديعة والمؤامرات والغدر والخيانة والعمالة إلى حد النخاع، وما توارثه الساسة العرب عبر التاريخ يصفه بعض الأغبياء بالنعمة دون فهمهم حقيقة النقمة فكنوزهم المدفونة في جوف الأرض، صارت لعنة ووبالا ومطمعا جعلت الجميع يتآمر ويبيع ويشتري بها، لتحرم الشعوب العربية من خيراتها وتكون حكرا على ولاتهم وبلاطاتهم، ولو راجعنا قليلا تاريخنا الحديث ونكباته لعرفنا حجم الشقاق بيننا لنشبه إلى حد كبير مجرتنا “درب التبانة”، وذراعها رأس الغول ونجومه المتناثرة، مع فارق بسيط ونقيض واضح أن نجوم المجرة تنير السماء لترشدنا في الظلام، فيما نشكل المادة المظلمة في المجرة التي أضاعت الشعوب بدهاليز إلى غير رجعة.

وما يجري اليوم في أمة العرب والمسلمين التي أراد لها الله أن تكون خير الأمم، من شقاق بسبب سياسة حكامها المتطرفة، التي ذهبت بشعوبها إلى حافة الهاوية والمصير المجهول، الذي وضع له التخندق المذهبي وقودا ونار فتنة أن اشتعلت لن تعود إلا بالموت والدمار والتشرذم لتحرق الجميع، وهذا ما يسعى له من أراد وخطط للتجزئة منذ قرون خلت، بشعارات التوحد الواهية التي لن تنطلي سوى على الخراف المساقة إلى مذبحها حاملة بين قرنيها سكين نحرها كما الأضاحي في مواسم الحج.

ويبدوا أن من خطط لمفهوم الإرهاب ومكافحة الفكر المتطرف كعناوين عريضة في ظاهرها، عميقة بجوهر مخططاتها، أما مميزا بالذكاء والدهاء، لدرجة أصبح قادرا من خلالها على الضحك واللعب بعقول الأغبياء لتنفيذ فرضيته المعدة مسبقا، أو غبيا مقامرا أشعل ناره بجوار حطب يابس من حرارة صيف صحراوي وفاته أن يضع في حساباته وجود ماء يساعده على إطفائها لو أحاطت به لتحرقه أو من كان حوله.

وما يحصل في المنطقة العربية من أحداث إرهابية ومعارك عسكرية بحجة التصدي للإرهاب، الذي أسسه وموله قادة العرب بمشورة أسيادهم لكسب رضاهم وضمان بقائهم على عروشهم الأبدية المتوارثة، أعلن بشكل رسمي عن حقيقة المؤامرات التي كانوا يحيكونها لإشغال شعوبهم من ناحية، وإظهار الوفاء لداعمي بقائهم بشراء الأسلحة والمعدات وتحريك الماكنة العسكرية التي تعوض ضرر الأزمات المالية التي تعرض لها العالم، كما حصل في سيناريو الأزمة المالية العالمية في 2009، والخسائر الجسيمة التي لحق بدول العالم، فجاء طريق التعويض من خلال إشعال حرب سورية وخلق دولة الخلافة الإسلامية وسيطرة داعش على عدة أجزاء من العراق، للمضي بطريق الظلمة في ذراع رأس الغول بمجرة “درب التبانة”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *