العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

لمشاهدة القصة بالفديو بقناتي على اليوتيوب انقر الرابط ادناه

Journalist Tahseen Al-Zerganiهاجس الخوف والقلق من الأحزمة الناسفة، ثمن يدفعه الشاب، ربيع مجهول (30 سنة)، في كل يوم من حياته، ليقرر العزلة والبقاء حبيس منزله خوفا من ردود افعال المواطنين من حزامه الناسف، الذي يرتديه عوضا عن قلبه، ليبق حيا بغير نبض ببطاريات واسلاك ملأت جسده لتعوضه عن ثلاثة قلوب، فالمواقف التي تعرض لها ونظرة الناس بغرابة اليه، دعت أسرته الى عدم السماح له بالخروج الا مع اخوته او أصدقائه كمرافقين لو أراد الذهاب الى طبيبه أو شرائه غرضا كما يفعل اقرانه الأصحاء.

ويروي ربيع، قصته ويقول، إنني “أصبت قبل أشهر بانفلونزا اعتيادية، فراجعت أحد الأطباء وكتب لي أدوية ومضادات، لكنها لم تأتي بنتيجة، وبدأت أشعر بآلام في الصدر مرة أعزوها الى المعدة وأخرى الى القولون، ولم أفكر ذات يوم أن يكون الألم ناتج من علة في قلبي”.

ويوضح الشاب، أن “الفحوصات والتحاليل المختبرية التي أجراها أحد أطباء المحافظة، أشارت الى وجود مشكلة في عضلة القلب، فلم نقنع أنا وأسرتي وذهبت الى أربيل وأجريت فحوصات فيها، لكن الطبيب أكد لي تشخيص الأول، ولزيادة التأكد من ذلك باع أهلي جميع مقتنياتهم وسافرت مع والدي وأخي الى أحد المستشفيات الاردنية، التي جاءت نتائجها مطابقة بوجود مشكلة في الجهة اليسرى من عضلة القلب، فعدنا الى الديوانية وبدأنا رحلة البحث عن أجهزة ومستشفيات أجنبية تكون قادرة على انقاذي”.

ويتابع ربيع، أن “مراسلات مع أحد المستشفيات الهندية بعد أن اطلعت على الفحوصات والتقارير الطبية، أكدت فيها على امكانية علاجي بطريقتين الاولى بزراعة قلب متبرع، أو الذهاب الى زراعة قلب اصطناعي فيما لو تعذر ذلك، لكن عامل الوقت كان فيصلا بين الحاة او الموت”.

ويضيف الشاب، أن “المستشفى أوضح لنا بأن تكاليف القلب الصناعي وأجور العملية تبلغ نحو 160 الف دولار، فقام اخوتي ببيع سياراتهم والذهاب الى الاقارب والاصدقاء لتأمين المبلغ كونه كبير وخارج امكانياتنا المادية، واستغرق جمع المال نحو شهر، سافرنا بعده الى الهند وبقيت انتظر نحو ثمانية أشهر حصلت خلالها على ثلاث قلوب لكنها لم تتطابق مع أعضائي وفصيلة دمي، حتى قرر الاطباء ضرورة الذهاب الى خيار زراعة قلب صناعي لتردي حالتي الصحية وعجز قلبي عن أداء وظائفه”.

حزام ناسف

ويستدرك ربيع، أن “عملية زرع القلب الصناعي تمت بنجاح، وعدت الى مدينتي فرحا مستبشرا، لكن سرعان ما صار الفرح وبالا ونقمة، ففي أحد الأيام خرجت مع اخي وصديقي الى شارع الأطباء لاجراء بعض الفحوصات التي طلبتها المستشفى الهندية، وعند نزولي من السيارة كانا قد سبقاني بخطوات، فمرت امرأة على مقربة مني وحين شاهدت الجهاز والبطاريات مربوطة في جسمي، صرخت بأعلى صوتها “مفخخ”، فهرب من هرب وطوقني آخرون بينهم رجال الشرطة، الذين لم يتفهموا وضعي الا بشق الانفس”.

ويتابع الشاب، أن “المرة الثانية كانت في الحي الصناعي، حيث خرجت مع أحد أخوتي لضجري من المنزل، وما أن نزلت من السيارة بعد أن توقفنا أمام أحد محال التصليح، وإذا برجل يركض مسرعا صوبي، فحظنني والقى بي على الارض وهو يصرخ “مفخخ”، وكان يهم بنزع الأسلاك المربوطة بين قلبي والجهاز وبطارياته، ولو تمكن من ذلك لقتلني على الفور، ولم يتركني حتى تجمهر الناس من حولي واخي يصرخ محاولا اخبارهم ماذا اضع وما هو الحزام الذي ارتديه”.

الحكم بالسجن أفضل من الموت

ويبيّن ربيع، أن “نظرة الناس لي المصحوبة بالخوف والقلق، وقد يكون من حقهم لما يمر به العراق من ظروف، جعلتني اقرر العيش بعزلة عنهم وعدم الخروج من غرفتي، حتى يعرفوا من أنا؟، وكيف أحيا؟، ويميزوا بين الحزام الناسف وجهاز القلب الصناعي ومعداته، لخشيتي من الوقوع يوما بين يدي شخص قوي ينزع الاسلاك من البطاريات ويقتلني بغير قصد”.

ويدعو الشاب، “قيادة الشرطة والعمليات المشتركة الى تعميم اسمي وأوصافي بين السيطرات ومفارز الشرطة والدوريات، وسألتزم بجميع الاجراءات الأمنية التي تقرها هذه الجهات، فمن حقي أن أحيا وأمارس حياتي بشكل طبيعي خاصة وأنني ثاني عراقي يعيش اليوم بحزام الحياة غير الناسف”.

نظام صحي متطور ولكن!

ويبدو أن تخلف النظام الصحي في العراق وصل الى درجة يعجز الطبيب قبل رجل الأمن من التعرف على جهاز طبي كما يقول المواطن قاسم مجهول شقيق ربيع.

ويوضح مجهول، إن “المستشفى الهندي طلب منا قيل أيام إجراء تحليل لدم ربيع، فأخذته الى أحد مستشفيات الديوانية الحكومية، وعندما وصلنا الى مفرزة الشرطة التي تحرس المبنى، فتشنا أحدهم وطلب من ربيع أن ينزع الحزام الذي يرتديه، بعد أن أدخلنا في دوامة استجواب لنحو نصف ساعة وسط زملائه فطلبنا منه الاتصال بأحد أطباء المستشفى ليتأكد، وبالفعل نادى الشرطي بجهازه طالبا حضور طبيب الى باب الاستعلامات”.

ويتابع المواطن، أن “الكارثة حلت عندما وصل الطبيب وأخذ يمعن النظر بالجهاز وبطارياته، ليطلب من ربيع نزعه ليدخل من أجل التحليل، فأذهلنا ذلك وسألته، هل أنت طبيب؟، فأجاب بنعم، فقلت أمتأكد من ذلك، فاستهجن سؤالي وأجابني بأنه لم يسمع أو يرى مثل هذا الجهاز، ولم يتسنى له الاطلاع على ان كان الطب قد وصل الى هذه المرحلة!”.

ثمن باهض

ثمن باهض تكبدته أسرة ربيع دون أن تكترث أو تهتم لما خسرته من أموال من أجل شفاء ربيع ليعيش حياته معافى، لكن الخسارة الأفدح تتلخص برؤيته حبيس غرفته، خوفا من الناس، كما يصف خاله داخل كاظم مهدي.

ويقول مهدي، إن “الثمن الذي دفعناه من أجل أن يعيش ربيع حياته وينعم بزهرة شبابه كان باهضا، لكنه لا يساوي شيئا مقارنة بابتسامة نراها في وجهه، وخسارتنا الأكبر هي اليوم حين نراه حبيس غرفته خوفا من الناس”.

ويوضح مهدي، أن “الأطباء في الهند أكدوا على ضرورة استمرار التيار الكهربائي لجهاز ربيع الصناعي، وزودوه بعدة بطاريات وجهاز بديل خوفا من أي طارئ، لذلك ابننا مضطر للبس الحزام الذي يضم الجهاز وأربعة بطاريات ملحقة، تمنحه كل واحدة نصف ساعة، ولو قطعت الاسلاك المربوطة بين قلبه والجهاز أو احدى بطارياته، لمات من فوره، الامر الذي أجبرنا على ارغامه للبقاء في بيته مالم يخرج معه أحد أخوته أو أصدقائه للطبيب أو صالون الحلاقة أو شراء غرض كباقي الشباب”.

والقلب الصناعي جهاز يحل مكان القلب، والقلوب الصناعية عادة تستخدم كوسيلة مؤقتة لكسب الوقت اثناء زراعة القلب، او كوسيلة دائمة لتحل مكان القلب في الحالات التي يستعصي زراعة القلب فيها، بالاضافة لعدة استخدامات اخرى.

وكانت شركة “كارما مارسيلو كونفيتي”، أعلنت عن نجاحها بزراعة قلب اصطناعي مستقل بذاته، لمريض يعاني من قصور في القلب، من قبل فريق متخصص في مستشفى جورج بومبيدو بباريس، واصفة العملية بأنها سابقة عالمية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *