رأي حر/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen Al-Zergani

للكلام بقية

لا تعد مهنة الصحافة كباقي المهن، ولا تشبه بأي شكل من الأشكال مهنة أخرى، والسبب في ذلك يعود الى مدى تأثيرها في جميع المشاهد، بل تطورت وأصبح لها الدور الأبرز في صناعة الأحداث، ويتحمل من خاض غمار العمل في مهنة المتاعب تحت لواء عرش صاحبة الجلالة، مسؤولية وطنية واخلاقية كبيرة في بلد تعد التناقضات فيه امرا شائعا ومعتادا ولا يقترب بأي شكل من الاشكال من الغرابة، أي انه لا يدنوا الا في نوادره من الثبات على المواقف، خاصة تلك التي تتعلق بالأخلاق المهنية ومدونات السلوك.

وعلى الرغم من أن الكثير من الصحافيين العراقيين تركوا لنا الاثر الواضح، والثوابت التي تقود من يلتزم بها الى كسب الذات والرضا عن النفس أولا ومنها الى التأثير في الآخرين، كأمثلة عليا يقتدى بهم لتحقيق الهدف او الحلم بالوصول الى النجومية، بعد الخروج من عنق الزجاجة التي نرى للأسف الكثيرين قد ارتضى لنفسه البقاء في قعرها، قانعا بما ساقت له الايام بغير مخطط، لتحقيق غايات وأهداف شخصية ضيقة، سرعان ما تتلاشى مع أول نسمة ريح تسقط تلك الزجاجة على صخرة صلدة، ليتناثر ما فيها على الارض ويضيع بين مداس وحافر، دون أن يخلف ورائه اي أثر يدل عليه.

فالتقرب من عرش صاحبة الجلالة، وقبول موالاتها، والإشهار بالعمل في بلاطها أمر سهل ويسير، لكن الثبات على المثل والأخلاقيات التي شاءتها المبجلة، لتميز بها الخاضعين لقوانينها عن غيرهم من جند الاسوار الخارجية، الذين حلموا ان لبسهم القلنسوة ودرع المملكة سيرفعهم، متناسين أنهم لن يكونوا في يوم أكثر من جدار صد ومحرقة وشواخص تشغل المهاجمين، فيما لو شاء احد أو فكر بالتقرب من قلعتها الحصينة، التي ستكون مقبرة لمن وقف متوهما انه مدافع واختلط جثمانه بجثث المتربصين خارج تلك الاسوار.

ومن المخزي والمعيب والمهين أن يدعي بعض الطارئين معرفتهم وتأثيرهم في كل شيء، من خلال تسويقهم لأنفسهم في الصور التي تجمعهم مع هذا المسؤول او ذاك السياسي بمناسبات أو بغيرها، في محاولة لكسب الشهرة والتجومية، متناسين أن من يظهرون معهم في تلك الصور، ما هم الا ثعالب تسعى للصعود على ظهور البغال للوصول الى مواردهم، والضحك على الجمهور بابتسامات فارغة تدل على جوهرهم، متناسين أن العمل والجد فيه والمثابرة والثبات على المبادئ، أسهل وأسرع طرق الوصول الى رضى مولاتي والنفس والجمهور.

ولا تعني زيادة عدد المؤسسات الاعلامية أو قلتها، أو كثرة دعاة الانتماء للأسرة الصحافية وأوساطها، تحقيق الغاية والهدف في البناء الديمقراطي، كما لا تعني صناعة تقرير فيديوي أو انتاج إذاعي أو قصة خبرية، أن هذا الصحافي أو ذاك أصبح فطحلا لزمانه وفلتته، القادر على تحقيق التأثير المنشود، والقدرة على تغير مجريات الاحداث، ليكون الصحافي مؤتمنا ومستحقا للمكانة السلطوية التي منحت له لا مزايدا يسير المنال.

والواقع يجسد مفترقا في أن تكون الصحافة رسالة سامية راقية مبنية على أسس وضوابط ثابتة، وبين أن يتخذها البعض غاية ووسيلة شيدت على اساس مادي نفعي، لا يمت لروح الصحافة بشيء، ولا للهدف المنشود منها، باعتبارها سلطة رابعة تكتسب صفة السلطة الردعية والزجرية، لأهمية دورها الرقابي على باقي السلطات والتيارات السياسية، لرصد رموز الفساد وليس التواطؤ معهم كما يفعل بعض صحافيي الصدفة من عاشقي الظهور.

وللأسف أن كل من استطاع شراء هاتف ذكي بالأقساط، أو كاميرا رقمية، أو تمكن من ايهام الآخرين على صفحات التواصل الاجتماعي، بأنه نابغة الزمان، وروبن هود عصره، وهو لا يعرف عنوانا واحدا لكتاب، وصار يتحايل ويسخر بعض برامج الهواة والمبتدئين ليسيطر على هذا الحساب او ذاك الموقع، ليقينه بأنه غير قادر على ان يأتي بمنجز له من خلال جد وتعب وبحث او سهر، لينال ما نال الاخرين ظنا بأنه قادر على مجاراتهم، وهو ما لن يكون له، مهما سعى لان الامتهان بعيد عن العبودية للسلطان، وكلمة الحق في بلاط صاحبة الجلالة بزمن الباطل رسالة سامية لن تكون الا لمن سما ونأى بنفسه عن التودد والتملق ومسح اكتاف الباطل مبتعدا عن الحق مدعيا خلاف ما بنى به لحم جسده بمال سحت وحرام على حساب الحق.

وعلى من يخوض غمار العمل في مهنة الصحافة، معرفة ان ما يحمل بيده من سلاح بحدين، قادر على أن يبني مجتمع بحسن حضور وأمانة وصناعة أحداث لا يعلم الا الله ما ينتج عنها من تبعات، او هدمه اذا ما باع او تنازل حامل تلك الامانة عن الاخلاقيات والمثل العليا والمبادئ التي لن تكون في مهب الريح كما يظن المتسلقون، وبناء الاسم والعنوان والحضور مقترن بما يحمل الصحافي من اخلاق وثوابت لا يمكن او يجوز التنازل عنها تحت اي ذريعة او مسمى أو عنوان، ولنتذكر أن الرصاصة تقتل شخصا، لكن الكلمة قادرة على قتل مجتمع باكمله، ومن يطلب العز عليه دفع الضريبة بالسهر والجوع والعطش ليكون مثلا زاهدا يقتدى به، لا ان يكون كلص مغتنيا من بيع الولاءات لهذا المبتذل وذاك المهان وعبد في حضرة سلطان جائر زائل بعد حين من الزمن. و …. للكلام بقية ….

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *