مدونات عربية

العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Journalist Tahseen Al-Zergani

عائلة ديوانية تعتصم للمطالبة بتعين ابنتها الوحيدة

ضاقت بها الايام وتقطعت السبل، ونال الفقر منها وأخذ مأخذا، وأجبرتها الظروف للخروج معتصمة مطالبة بحقوقها المسلوبة من قبل “المسؤولون في حكومة الديوانية”، أسرة ابو هدى، قطعت الطريق حاملة راية العراق، مؤكدة أنها لن تعود الى منزل خلا من كل شيء، بسبب تقصير المعنيين بضمان كرامتها، لا لشيء بل لأنها بغير حزب يدعمها، أو قدرة على دفع الرشى لنيل حقوقها، اسوة بمن يعيشون في بلد سرقت ونهبت ثرواته من حاكميه وحرم الشعب منها.

خرج المواطن، ياسين حسين (75 سنة)، أبو هدى، مع افراد أسرته وهم يحملون لافتة كتب عليها (لسنا من ذوي الأموال ولا الواسطات ولا الأحزاب، صوتنا للمحرومين والمظلومين، نطالب بتعين ابنتنا الوحيدة لمعيشتنا، ان سكتت الضمائر الحية والأفواه الحرة فمن يصرخ في وجه الظلم والحرمان)، للمطالبة بتعين ابنتهم الوحيدة بعد أن خيرهم المسؤولون بين استرجاع راتب الرعاية أو عقد عمل لابنتهم.

ويروي حسين، قصته ويقول، أن “الحكومة المحلية سرقت مني ولأربع سنوات مخصصات شبكة الحماية الاجتماعية، يرمي بنا المسؤولين ككرة القدم الى بعضهم، حتى يئست منهم، وخرجت معتصما امام مبنى المحافظة قبل عدة أشهر، ليضحك علينا المسؤولون ويقايضونا بعقد لابنتي الوحيدة بدلا عن ما سرقوه منا”.

ويوضح أبو هدى، أن “الحكومة المحلية تتحمل مسؤولية إضاعة فرص التعيين على ابنتي التي حصلت على نتائج متميزة جعلتها من العشرة الاوائل في كلية التربية بجامعة القادسية، لتتكفل معيشتنا لعجزي وأمها عن العمل لكبر سننا، وتكاثر الامراض فينا، الامر الذي دعانا الى الاعتصام أمام مبنى مديرية تربية القادسية في وسط الشارع، ولن نعود الى بيتنا قبل تحقيق ذلك”.

ضحك على الذقون

وفي الطرف الاخر من اللافتة وقفت أم هدى، مشدودة الأعصاب، تلعن من تسبب بالفقر لأبناء الشعب، وسرق منهم عن سابق عمد وإصرار مخصصات شبكة الحماية والرعاية الاجتماعية.

وتقول أم هدى، إن “المسؤول المعني بشبكة الحماية الاجتماعية في إدارة المحافظة، ضحك علينا وسرق منا راتب الرعاية المصدر الوحيد الذي كنا نعتاش عليه، وساومنا بعقد لابنتي في ديوان المحافظة على أن نترك راتب الرعاية فوافقنا مجبرين لا مخيرين”.

وتضيف المواطنة، أن “مبلغ العقد مئتي الف دينار فقط، مقابل ثماني ساعات من العمل، فماذا يمكن أن نفعل بها؟، وزوجي مصاب بعدة أمراض”، وتتساءل “عن كيفية تدبير مبلغ ثلاثين مليون دينار كرشوة لتعين ابنتي، فهل يريد السادة المسؤولين منا النهب او السرقة او الاستجداء”.

وتطالب أم هدى، “الحكومات والمسؤولين بالكف عن اساليب الابتزاز والتهديد والمساومة والانتقاص من كرامة المواطن، فبالأمس خرجت علينا واحدة من أعضاء مجلس المحافظة، تستهزئ بنا وتعلمنا “العيب”، في خروج النساء للتظاهر، بدلا من وقوفها معنا لتنصرنا في نيل واحد من أبسط حقوقنا”.

استخفاف ونظرة بعين واحدة

ويبدو أن سمة “المحسوبية والمنسوبية والقرابة، ستبقى ملاصقة للمسؤولين في الحكومات العراقية”، كما تراه خريجة قسم اللغة العربية في كلية التربية بجامعة القادسية، هدى ياسين حسين.

وتقول هدى، إن “سنوات العمر وتضحية والداي بكل ما يملكان لأتخرج بتفوق ضمن العشرة الاوائل من كليتي ضاعت سدى، بل ساءت أوضاعنا المعيشية الى حد لا يمكن السكوت عنه، خاصة بعد أن ثبتت سرقة أحد المسؤولين لراتب شبكة الرعاية الاجتماعية من والدي مصدر معيشتنا الوحيد، لأربع سنوات، وعندما اكتشفنا تورطه قايضنا بعقد في ديوان المحافظة، ولكن بمبلغ مئتي الف دينار فقط دون احتساب الشهادة الجامعية”.

وتتابع الخريجة، أن “التمييز وعدم انتمائي لحزب او جهة سياسية، وضعني في زاوية بعيدة عن أقراني اللواتي احتسبت لهن شهاداتهن لتتجاوز رواتبهن ضعف مرتبي، إضافة الى التخصص الوظيفي، فيما منحت عنوان موظفة خدمة (فراشة)، الامر الذي اضطرني الى طلب مواجهة السيد المحافظ، الذي اجابني بان المحافظة متفضلة بمنحي عقدا لمشروع في شارع المصورين، والمفترض ان يتم تعينك على ملاك التربية”.

وتستغرب هدى، من “رد المحافظ بـ”أعربي لنا شارع المصورين”، مستهزئا، وإنصافي بشمولي بأي مكافأة أسوة بأقراني بدلا عن حرماني”، وتؤكد على أني “ووالداي سنبقى معتصمين في الشارع أثناء الدوام الرسمي لمديرية تربية القادسية حتى نأخذ حقنا في حصولي على درجة وظيفية بشهادتي وتخصصي، للخلاص من النظام الأسري والعائلي الذي يميز موظفي المحافظة، فكلهم من الاقارب والاحزاب، ولن أعود الى هناك ثانية مهما كلفني الأمر، وأعلنت منذ الامس تركي لعقدي في المحافظة”.

دعوات لنصرة المظلومين

مشهد الاسرة واقفة لوحدها وسط الشارع أمام مبنى المديرية العامة لتربية القاسية، دعا المواطن ناظم حاتم الفتلاوي، الى الوقوف معهم ومؤازرتهم، ومطالبة الخيرين بالدفاع عن حقوق المظلومين.

ويوضح الفتلاوي، أن “وقوف عائلة ابو هدى وسط الشارع أثارت حفيظتي وقررت الوقوف معهم، للمطالبة بواحد من أبسط حقوقهم، وللأسف في العراق لا ناصر للضعيف ويجب علينا أن نقف مع بعضنا في وقت ابتعد فيه الساسة وانشغلوا بمصالحهم وأحزابهم”.

ويتابع المواطن، أن “الشعب ما زال ينظر للمثاليات بعيدا عن الواقعية، ويضع نفسه بين الشعارات بعيدا عن تطبيقها، فأين الحشود المليونية التي تسير في درب الامام الحسين ع، الذي خرج لنصرة المظلومين والوقوف بوجه الظالم؟، وعار على الرجال الوقوف بصمت يتفرجون على امرأة مظلومة في الشارع وهي تستنجد بهم”.

التقشف والخوف من التقليد

الأزمة المالية والتقشف الذي طال كل شيء يخص المواطن في البلد، سبب في زيادة أعداد العاطلين عن العمل، في الديوانية (يبعد مركزها 180 جنوب بغداد)، التي تعد الافقر بين المدن العراقية، والخشية من تقليد موقف عائلة ابو هدى الذي قد يحرج التربية كما برر مدير عام تربية القادسية عقيل الجبوري.

ويقول الجبوري، إن “التقشف وتخفيض الموازنة العامة بسبب تدني اسعار النفط، أثرت على ايجاد درجات وظيفية للخريجين والعاطلين عن العمل، ضمن ملاكات مديريات التربية في عموم المحافظات العراقية”.

ويوضح مدير عام تربية القادسية، أن “الدرجات التي قررت لوزارة التربية للعام الحالي (4000) درجة فقط، توزع على المديريات بحسب الكثافة السكانية، الامر الذي سيحرجنا بشكل كبير مع الخريجين”، ويلفت الى أن “صدارة الديوانية للمحافظات الاكثر فقرا، يوجب على جميع الوزارات ومن بينها التربية على مراعاتها وتعويضها عن محروميتها من الموارد والعائدات الاقتصادية، ولا منفذ لأبنائها سوى البحث عن التوظيف الحكومي”.

ويبيّن الجبوري، أن “عائلة أبو هدى واحدة من آلاف الأسر المتضررة التي لا تمتلك موارد مالية او مرتبات تساعدها على العيش الكريم، لكنهم كسروا طوق الصمت، واعتصموا أمام مبنى المديرية العامة للتربية، ونزلت اليهم وأخذت منهم طلب تعيين الخريجة هدى، وتعهدت لهم بأني سأوصل رسالتهم الى معالي الوزير، وسأتبع الموضوع حتى تحل مشكلتهم ولو كانت درجة وظيفية واحدة فأنها فستكون من نصيبهم، على الرغم من معرفتي بالاتهامات التي ستلصق بي حينها”.

ويبدي مدير عام التربية، “الخشية من اتخاذ الخريجين العاطلين عن العمل سبيل الاعتصام والتظاهر وإحراج المديرية وإدارتها، في ظل الظروف الاقتصادية المتردية التي يعاني منها البلد”.

وكان المواطن ياسين حسين أبو هدى، اعتصم، منتصف شهر تموز 2014، مع زوجته، أمام مبنى محافظ الديوانية، للمطالبة بمعرفة مصير رواتبه من شبكة الرعاية الاجتماعية لأربعة سنوات، متهما الحكومة المحلية بسرقة أمواله وإضاعة حقوقه.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *