العراق/مدينة الديوانية/تحسين الزركاني

Tahseen Al-Zergani

امرأة من جنوب العراق تلجأ الى الفن للخلاص من فقرها

في غرفة تملأ المياه الجوفية أرضها، كتب الزمان على المواطنة سهير كاظم ادريس (45)، سنة ككثير من قريناتها، الفقر والحرمان وضنك العيش بعد موت الزوج، لتقاسي مرارة تدبير قوت لثلاثة أيتام وتؤمن لهم احتياحاتهم، وتنسى احلام طفولتها في أن تكون فنانة تشكيلية معروفة من خلال اعمالها، التي تناستها لتضيع مع مرور سنوات العمر، لتضطر الى الانتقال من مدينة لى اخرى بحثا عن ملاذ، وان كان خربة في بيت عشوائي، خلا من كل شيء إلا أدوات الرسم التي تصنع بها الفن بيديها لعدم قدرتها على شرائها.

وتقول سهير، إن “حلمي وأمنيتي في صغري في ان أكون ذات يوم فنانة تشكيلية معروفة من خلال لوحاتي وأعمالي الفنية، ضاعت مني وسط مصاعب الحياة، خاصة بعد الزواج والانشغال بالبيت وتربية ثلاثة الأطفال، حتى شاءت الاقدار بأن تسلبني زوجي، وتتركني أرملة بلا ناصر أو معين”.

وتوضح الفنانة، أن “مرضا مفاجئا أصاب زوجي في محافظة واسط، قبل خمسة سنوات ونال منه الموت بسببه، ليتركني وحيدة دون أهل، فاضطررت الى الانتقال الى قضاء الحمزة الشرقي (يبعد مركزه 30 كم جنوب مدينة الديوانية)، لأسكن في ضريح الإمام، وأعيش مع أطفالي على ما يتصدق به الناس علينا من طعام وملابس، وبقيت على هذا الحال لثلاث سنوات”.

وتتابع سهير، أن “أحد سدنة الامام الحمزة، عرض الزواج من انسان يعرفه، ليسترني ويتكفل معيشتي واطفالي، فوافقت على طلبه بعد أن سالت الناس عن الخطيب، وتزوجنا وانتقلت مع اطفالي للسكن معه”، وتشير الى أن “مرضا أصاب زوجي بعد فترة وتكاثرت عليه العلل، بين ارتفاع السكر وضغط الدم والدوار المزمن، لكن ذلك لم يمنعه من الصمود للعمل من اجلنا وتامين متطلباتنا وان عودت نفسي على ان تكون بسيطة للغاية، فيكفيني ظل رجل حنون يفكر ويهتم بي واطفالي”.

وتضيف الفنانة، إن “الحسرة والمرارة كانت تزداد في ايام محرم وصفر، حين اشعر بعجزي من خدمة الزائرين القادمين من محافظات الجنوب والوسط لأداء مراسيم زيارة عاشوراء وأربعينية الامام الحسين ع، ففكرت خلال تلك الأيام بتجربة الرسم عساني اتذكر أحلامي وما خزنته في ذاكرتي من الصغر، وبدأت برسم لوحة الميمون (فرس الامام الحسين بن علي (ع)، الذي امتطاه في واقعة الطف)، على جدار منزلي في حي الصفيح، وكان يومها هناك مجلس عزاء في الحي المجاور، وكان المعزون يستغربون من مشاهدتهم لامرأة بعبائتها ترسم على الجدار”.

وتستدرك سهير، “اخذ الجميع يشجعني ويشد من أزري، كما تبرع عدد منهم ببعض المال، فقررت المضي بالأمر والعمل على تطويره، واتصلت بزوجي وأخبرته أن مفاجأة تنتظره عند عودته من العمل، وحين وصل وشاهد ما صنعت بالجدار، انبهر وسألني عن المواد التي احتاج اليها في الرسم ليشتريها لي”.

وتبيّن الفنانة، أن “غلاء أسعار فرش الرسم اضطرني الى تصنيعها بنفسي من أقلام (الماجيك)، اخرج الاسفنجة التي بداخلها، واشرحها بالسكين حتى تصبح كالفرشاة، واربطها بعد ذلك على اقلام الشجر، أما حاوية الالوان فقد ذهبت في يوم الى أحد محال تصليح المواد المنزلية، فوجدت عنده علبة بيض بلاستيكية في أحدى الثلاجات العاطلة، فباعها لي وبدأت اخلط الألوان فيها”.

وتلفت سهير، الى أن “معلمات المدارس المجاورة، طلبن مني المشاركة في معارض المدرسة، لكني وجدت حلا افضل من ذلك فقد كنت ابيع اللوحات والأعمال الفنية على التلاميذ بسعر 1500 دينارا، أكثر من دولار واحد بقليل، لأشتري بها الألوان والأوراق، وأتمكن من تأمين مصروفي وأطفالي لأساعد زوجي وأخفف عنه”.

وتمضي الفنانة بالقول، إن “الجيران وخاصة صديقتي أم حسين، أخذوا يطلبون مني الاعلان عن نفسي والتعريف بموهبتي، عبر وسائل الإعلام، عسى ان يسمع احد المعنيين او المهتمين بذلك، ويتقدم لي بمساعدة لأفتح بها مرسما صغيرا، لأنتج أعمال السيراميك والرسم على الزجاج، لأبرهن لمن حاصرهن الفقر أن الحياة فيها الكثير من الفرص، اذا ما أردنا استثمارها بالاعتماد على مواهبنا”.

وتتابع سهير، أن “افكارا فنية كثيرة تدور في رأسي، وقبل أيام خرجت منتصف الليل بحثا عن حصى، لأنجز عملا منه باستخدام مادة الإسمنت الفني (البورك)، لنسر طائر، لكن غياب المال سيؤخرني حتى أتمكن من جمعه من بيع أعمال أخرى”.

وتدعوا الفنانة، “الحكومات والمعنيين الى دعم المرأة على أرض الواقع، والابتعاد عن الشعارات والتنظير، الذي استمر لنحو عقد من الديمقراطية وشعارات دولة المؤسسات المدنية الورقية”.

وكانت نقابة الفنانين العراقيين، عدت، في (14 من الشهر الجاري)، أن غياب التمويل عن النقابات والاتحادات سيؤثر كثيراً في مشاريعها وأنشطتها، مبينة أنها بحثت مع الرئاسات الثلاث والوزراء المعنيين البدائل المتاحة لتستمر رسالة الفنان في “صنع الحياة ونشر الوعي والثقافة لبناء الإنسان، في حين أكد فرعها في الديوانية، أن ذلك “لن يقف عثرة” أمام إصرار منتسبيها على مواصلة نشاطهم، وعزمهم تفعيل التكافل الاجتماعي لدعم بعضهم، واستمرار حراكهم الإبداعي برغم “تهميشهم” من الحكومات المحلية بالمحافظة.

وكان فنانو الديوانية، انتقدوا في (الـ12 من تشرين الثاني 2014 المنصرم)، ما عدّوه “تجاهل” الحكومة المحلية بنود الدستور التي نصت على دعم الفعاليات الثقافية والفنية والأدبية، واتهموها بتعمد “تهميش” الحراك الثقافي والفني الإبداعي الذي تحقق في المحافظة خلال السنوات الماضية عن “سابق إصرار وترصد”، في حين نفت إدارة المحافظة ذلك مؤكدة أن عدم إقرار الموازنة والعجز المالي الذي تعانيه حالا من دون تقديم الدعم للفعاليات الفنية وغيرها.

وكان المشاركون العراقيون والعرب في مهرجان ربيع المسرح العراقي الثاني، في الديوانية، (180كم جنوب العاصمة بغداد)، دعوا في (الـ17 من نيسان 2013)، إلى الارتقاء بالبنى الفنية التحتية في المحافظة ومعالمها بما يتلاءم وثقلها الثقافي والحضاري، وتخصيص ميزانية خاصة للمهرجان، وطالب باستحداث ورش عمل للكتابة المسرحية والتمثيل والإخراج لخلق جيل جديد ضماناً لتواصل الخبرات ورفع مستوى الجهد الإعلامي في تغطية دورات المهرجان.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *