العراق/الديوانية/تحسين الزركاني

IMG_20150105_161333كمن الموت متربصا بعائلة أبو مصطفى، ليقتل انفجاراً غريباً لاسطوانة غاز، انطلقت كقذيفة مدفع من فناء الحديقة الى المطبخ، أثناء تناولهم وجبة الغداء الأخير، ليفرقهم الوجع والألم والخوف على بعضهم دون وداع، ويخلف في منزل ذكريات الطفولة صور الحزن والدمار والخراب، لتبقى رسوم الحزن شواهد على أجساد تفحمت فوق بعضها وتركت على الجدران آثار جلودهم وملابسهم المحترقة ببودرة بيضاء لا ناراً أو لهب.

ويروي صاحب الفاجعة، جمعة فلاح، أحداث ما حصل، ويقول، إن “سيارة الغاز مرت بقرب بيتنا نحو الساعة الحادية عشر صباح يوم الأربعاء، فخرج ولدي واستبدل اسطوانة غاز سائل فارغة بواحدة ممتلئة، لكنها كانت قديمة ومتضررة من قاعدتها، فادخلها وتركها في حديقة المنزل، وخرجت من المنزل الى العمل، وفي تمام الواحدة ظهرا اتصل بي احد الجيران يخبرني بان بيتي قد احترق وفيه اسرتي، فخرجت مسرعا كمجنون وحين وصلت المنزل وشاهدت حجم الدمار الذي خلفه الانفجار لم اصدق بأنه انفجار لاسطوانة غاز”.

ويوضح فلاح، أن “الجيران نقلوا أفرد اسرتي الى المستشفى، فلحقت بهم، وروت لي ابنتي ما حصل، وقالت أننا كنا مجتمعين نتناول الغداء في صالة المنزل، فذهبت لأحضر الماء من الثلاجة في المطبخ، ولم أشعر إلا باسطوانة الغاز اندفعت من الحديقة باتجاهي بغاز أبيض اللون، فأسقطتني ضربتها وأحسست بشيء اذاب ملابسي، فهب زوجي وأمه وأخوتي لنجدتي لكنهم أصيبوا بما أصابني، لم نرى نارا كل شيء على حاله غير محترق الفراش والستائر كما هي على حالها لم تصب بأي ضرر”.

ويتابع الأب، أن “زوج ابنتي مصطفى احترق عند محاولته انقاذ زوجته، كما احترقت أمه وهي تحاول انقاذهما، وتكرر المشهد على الجميع وهم يحاولون انقاذ بعضهم، سبعة أشخاص هم كل حياتي ضاعوا مني بلحظة، دون سابق انذار او معرفة كيف انطلقت اسطوانة الغاز من باحة المنزل الى المطبخ لتحل بنا الفاجعة”.

IMG_20150105_161303ويلفت فلاح، الى أن “الحروق جميعها متساوية في الوجه والأيدي إلا في مصطفى وأمه فقد أخذت منهم الكثير وتسببت في وفاتهم”، ويشير إلى أن “الاسطوانة لم تكن معبأة بالغاز هذا ما اكده افراد اسرتي والجيران الذين هبوا لنجدتهم، بل كان مسحوقا ابيض اللون، ورائحة البارود التي ما زالت لغاية الان تفوح من المنزل”.

ويضيف الأب، أن “دوي الانفجار سمعه أصدقائي من نحو كيلومترين، وتطاير حديد سقف الطابق الثاني (الشيلمان)، الى رابع بيوت الجيران لا يمكن أن يكون ناتج عن الغاز السائل، كما أن رجال الدفاع المدني والأدلة الجنائية تهامسوا بأنه ليس انفجار اسطوانة غاز، لكنهم تملصوا في تقريرهم، الذي كتبوا فيهم تسرب غاز سائل وإهمال لغلق الملف دون تكبد عناء البحث عما وراء الانفجار”.

ويصف فلاح، “الخدمات الطبية في قسم الحروق بمستشفى الديوانية التعليمي بتحت الصفر، فالممرضين غير مهتمين أو مكترثين بما يعانيه المرضى، الا في حالة وجود الطبيب الاختصاص يتحولون كخلية نحل، ناهيك عن فقدان الادوية وشاش التنظيف، وكل يوم تكلفني الأدوية نحو مئة الف دينار، أشتريها من الصيدليات الخارجية، إضافة الى اكراميات للممرضين لينظفوا المصابين ويهتموا بعلاجهم”.

وفي بيت أبو مصطفى، كان نحيب النساء وعويلها يضج من سردق شيد وسط الشارع، لكن صوت أم مروة (47 سنة)، عمة الراحل مصطفى ينشد بالشجن يعاتب الزمان على قسوته وكيف أضاعت اسطوانة الغاز أسرة كان الجميع يستأنس بالذهاب عندها، فما عاد لهم من بيت أو أسرة.

وتقول أم مروة، أن “كلمة أبناء أخي توحدت، في أنهم جالسون حول مائدة الطعام، فسمعنا دوي الانفجار في المطبخ وكأن زلزالا ضربه، فركضنا لننقذ زوجة مصطفى، وأحد أخوتهم كونه معاق لا يقوى على السير لوحده، فلم نشعر الا برائحة شواء اجسادنا بلا نار، بمجرد أن لامسنا دخان ابيض بغير رائحة، فعاد مصطفى محاولا انقاذ امه التي بقيت في داخل المنزل، وذلك ماجعلهما اكثر المتضررين، فمن اين آتي بمصطفى وما ذنب أطفالنا وما هي قصة الانفجار ولماذا تكتم الجميع عن اللغز وسرها”.

قصور وتقصير متعمد وتهرب من أداء الواجبات والعمل الانساني في قسم الحروق بمستشفى الديوانية التعليمي، وتلويح بإجراءات حازمة ضد من يستهين بصحة المواطن وكرامته في مستشفيات المحافظة، كما يرى رئيس لجنة الصحة الدكتور باسم كبان الكرعاوي.

ويقول الكرعاوي، إن “حكومة الديوانية سعت الى تهيئة بناية خاصة بالحروق، وكنا نتوقع دخولها الخدمة الفعلية في غضون شهرين كحد أقصى، لكن عدم اقرار الموازنة والتقشف الذي أصاب موازنة العراق، ستعطلنا إلى نحو عامين قادمين”.

ويوضح الكرعاوي، أن “وضع قسم الحروق في الطابق السادس من مستشفى الديوانية التعليمي، أبعده عن انظار المسؤولين والمتابعة، وللأسف أن ذلك انسحب على تقديم مستوى متدني من الخدمات الى الراقدين فيه، ناهيك عن غياب الاطباء الاخصائيين الحقيقيين إضافة الى اهمالهم المتعمد الذي تسبب بإزهاق حياة مصابين من أصل سبعة من أسرة واحدة، نتيجة سوء الخدمات وغياب المتابعة والاهتمام الصحي”.

ويتابع رئيس لجنة الصحة، أن “الطابق ملوث بالكامل على الرغم من مطالباتنا المستمرة لإدارة المستشفى، بالتأكيد على أهمية تعقيمه اليومي كون المصابين بالحروق ليس لهم أجهزة دفاع مناعية بسبب احتراق الجلد وبقاء الاعضاء معرضة الى خطر الاصابة بالفايروسات والجراثيم التي تسبب الوفاة”.

ويتهم الكرعاوي، “إدارة المستشفى ومسؤولي الطابق وقسم الحروق بالتقصير المتعمد، ومالم يتم اتخاذ اجراءات وقرارات وعقوبات حازمة بحق المقصرين، فأن الوضع ينذر بالتدني الى مسويات أدنى، خاصة بعد ان نالت دائرة صحة الديوانية المرتبة الاولى بالفساد بين الدوائر الحكومية بسبب سوء الادارة في مستشفيات الديوانية التعليمي والنسائية والأطفال”.

IMG_20150105_103057بالمقابل يرد مدير عام صحة الديوانية، الدكتور عدنان تركي علوان، أن “الأدوية والعلاجات متوفرة بنسبة تسعين بالمئة في جميع المستشفيات والمراكز الصحية والتخصصية، ومن مناشئ رصينة وشركات عالمية معروفة، ما عدى غير المفحوصة منها وبحسب توجيهات وزارة الصحة، التي تلزمنا بعدم شرائها من المذاخر الاهلية، ووجود بعض الادوية في الاسواق وشحتها في المستشفيات الحكومية امر محال”.

ويبيّن علوان، أن “الاستبيان الشهري الذي أثير في بعض وسائل الاعلام لمنافذ الخدمة والموظفين العاملين على تقديم الخدمات، أظهر لشهر واحد مؤسسات دائرة صحة الديوانية بنسب تدنية، لكنه لم يراعي الاشهر السابقة أو اللاحقة”.

ويعتبر مدير عام دائرة الصحة، أن “موضوع الاستبيان تم تهويله لأهداف شخصية، بسبب عدم شمول الاستبيان للأداء الاداري للمستشفيات او ادارة الصحة بل العاملين على تقديم الخدمات، وللأسف أن المنتفعين ركزوا على هذا الشهر وأهملوا 11 شهرا من الاستبيانات ونتائجها”.

محاولات عدة مع أكثر من مسؤول امني، لمعرفة ملابسات الحادث وروايات شهود العيان، واستغرابهم من تسجيل الحادث بأنه تسرب غاز وإهمال، وحديث اناس عن ثلاث انفجارات باسطوانات الغاز السائل في منطقة واحدة، لكن هواتف المسؤولين بين مغلقة ولم يتم الرد، ولم يجب احدهم على رسائل تبين الرغبة في معرفة التفاصيل ووجهات نظرهم وردهم على الموضوع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *