العراق/الديوانية/تحسين الزركاني

1506571_825562420838460_7414404840475817297_nسبع دقائق كانت كافية، لتنتقل بمن كان متواجداً على”سُرًّف”، الدبابات وأصوات مدافعها، لترتفع السنة النار ويغطي أرجاء المكان دخان، يميزه طعم الموت، مخلفا الدمار في نفوس الناس قبل المباني، ودق طبول الحرب ونيرانها المشتعلة التي تزيد بعض القنوات الفضائية وقودها.

ويبدو أن خوذة المقاتل التي لم نفارق رأس من كان بالأمس جنديا، لينتهي به المطاف على كرسي مدولب، اختزلت حقبة من التاريخ، لتختصر ما دقت له ساعة جدار مهترئ، محذرة من وقود الحرب البشرية، لتظهر براعة وإبداع فيلم شبابي أنتجه حالم موهوب ليحصد جوائز محلية ودولية.

تلك المشاهد صورها المخرج الشاب، حسين الشباني، في فيلمه (رحالة)، الذي حصل على جائزة أفضل تصوير في مهرجان “صور السينمائي”، في لبنان، وجائزة أفضل سيناريو في مهرجان “السماوة الدولي”، لتحتفي به نقابة الفنانين العراقيين في الديوانية، دعما وتشجيعا للمبدعين الشباب.

ويقول نقيب الفنانين العراقيين في الديوانية، حليم هاتف، إن “عطاء الشباب وإبداعهم يوجب على الجميع الوقوف خلفهم لدفعهم نحو طريق المجد والتميز، وإقامتنا لحفل اليوم لتكريمهم تأكيد منا على أننا سنمضي معهم حتى يتمكنوا من رفع اسم العراق والديوانية عاليا في جميع المحافل الفنية”.

ويوضح هاتف، أن “تغاضي الحكومات المحلية والمركزية والمسؤولين عن دعم الفنانين الشباب، يهدف الى قتل روح الإبداع فيهم، ويؤشر مؤشرا خطيرا على أن هناك رسما مسبقا يهدف الى طمس الهوية العراقية في الثقافة والفن والأدب، ولكننا سنتصدى لها، ونحاربها برسالة الفن، وسندعم كادر فيلم الرحالة ومن لديه الرغبة والموهبة في إنتاج وصناعة الأفلام السينمائية”.

الفنان الدكتور، حسين سلمان، الذي ترك الديوانية منذ عام 1973، يرى، أن “الديوانية لم تتخلف عن ركب الإبداع، بل كانت ولادة ومعطاء لتوصلني اليوم الى مخرج الفيلم الذي نجح في شد انتباه الحاضرين، وتمكن من قطع أنفاسهم، حتى وصل بنا الى الخاتمة دونما شعور”.IMG_8730

ويستدرك الفنان أن “الحديث عن هذا الإنتاج الكبير بالشكل الأكاديمي واسع جدا، لكني سأبتعد عن القراءة النمطية والمصطلاحات، لأنها ستخرجنا من روعة ما شاهدناه من أحداث، وسأختصر المسميات وأكتفي قولا أن الفيلم “احترافي”، تمكن فيه المخرج على الرغم من موارده وإمكانياته البسيطة أن يمنحنا ما عجزت عنه الأفلام التي تصرف عليها مئات ملايين الدنانير”.

ويتابع سلمان أن “اقتباس المخرج الشاب، لأغنية (احنه مشينا للحرب)، واستخدامه لخوذة المقاتل التي لم تفارق رأس الجندي المعاق، الذي جلس على كرسيه المدولب، حتى أخر مشهد، معتمراً إياها من صحوه وحتى منامه وحمامه، واستخدم دلالة المكان الكبيرة والواضحة، ليوصل بسلاسة ما أراد الينا عن حقبة مهمة من تاريخ العراق المعاصر، الذي اغرق في الحروب والدماء”.

ويؤكد الفنان على أن “المخرج استطاع بموهبته وبراعته، إدراك زمام أموره، والسيطرة على وعي المشاهد على الرغم من التداخلات الكثيرة، حتى اللحظة الأخيرة”، ويلفت إلى أن “فريق العمل في الفيلم ذاب برؤية المخرج واستطاع تجسيد كل أفكاره ورؤيته الإخراجية، لينتج فيلم اقل ما يوصف به “الرائع”، وأتوقع أن يكون فيلمهم المقبل أكثر روعة ويقتحم العالم بحرفية أكبر، وأتوقع أن يكون الفيلم العراقي مبنيا على عقلية وذهنية وإبداع الشباب”.

ويضيف سلمان، أن “اتفاقا أبرمته مع قناة الحضارة على قبول ما يقدم الشباب من سيناريوهات لأفلام قصيرة، لتجهز المتقدم بتجهيزات كاملة وسيت مونتاج متكامل، وتتابع توثيق تصوير مشاهد ومراحل الفيلم، حتى الوصول الى مرحلة النقد، ويعرض على شاشتها لمدة ساعة كاملة دعم منا للمخرجين الشباب”.

فيما بدت معالم الدهشة والفرح، على وجه عميد كلية الفنون الجميلة في الديوانية، الدكتور باسم الأعسم، واضحة وجلية، ليقول، إن “المخرج الشاب حفر بطبشور إبداعه، اسما لن ننساه ما حيينا، على الرغم من عدم حصوله على شهادة أكاديمية فنية عليا في الفن السينمائي، بل اعتمد على رؤياه ومخيلته وخزينه المعرفي وقراءاته وموهبته، ليصل من خلالها الى قلوبنا، وهذه مسألة غاية في الأهمية، وترجم لنا بالفعل أن الإبداع لا يحد بشهادة أو عمر، بل بالوعي والمخيلة”.IMG_8752

ويشير الأعسم إلى أن “سبع دقائق كانت كافية لتجسيد واحدة من أهم مراحل العراق المعاصر بسلاسة وبساطة، وأدعوه الى عرض الفيلم في كلية الفنون الجميلة بجامعة القادسية، وسأوفر له ولطاقمه الدعم المطلق ليستمر بعطائه وإنتاجه للأفلام السينمائية القصيرة”.

دمعة الفرح وهاجس الخشية من قلة الدعم وقصر نظر المسؤول حول ما يعنيه الفن والثقافة، وغياب الثقة في تصوراته عن قدرة الشباب على الإبداع والعطاء، كانت أول كلمات مخرج فيلم “رحالة”، الشاب حسين الشباني، ليوضح، إن “شهادات أساتذة الفن ونقيب الفنانين بحق الفيلم اليوم، رفعتني من الأرض كطائر الى السماء، وحملتني مسؤولية كبيرة، لأكون عند حسن ظنهم، وأجد في العطاء”.

ويتابع الشباني أن “غياب الدعم المادي للفيلم، على الرغم من طرقي العديد من أبواب المسؤولين لكنها كانت كفيلة بصدهم لنا، إلا عضو مجلس محافظة الديوانية الذي تبرع من ماله الخاص بمبلغ أتاح لي توفير أجرة مصور الفيلم البسيطة، والمؤسف أن ما حققته من انجازين مهمين للديوانية والعراق، إلا ان احد منهم لم يلتفت، وكـأن الأمر لا يعني سوى نقابة الفنانين التي أحيت الليلة أمسية لعرض الفيلم والاحتفاء بنا، لنيل الفيلم جائزة أفضل تصوير في مهرجان “صور السينمائي”، في لبنان، وجائزة أفضل سيناريو في مهرجان “السماوة الدولي”.

ويقول المخرج الشاب إن “قصة الفيلم تصور ما مر به العراقي من أحداث ومآسي، وكيف أسهمت اليوم بعض وسائل الإعلام بالترويج الى العنف والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وكيف خلقت لنا في كل يوم كما من الأزمات سياسية كانت او اقتصادية واجتماعية، ومارست بكل وقاحة المتاجرة بدم العراقيين من خلال بثها الى الأفكار الإجرامية، و “رحالة”، كانت صرختي بوجهها، التي تمثل صرخة وهم جميع العراقيين، فكثير من الأحيان يتجرد الفنان من سمته الفنية، ويعود دون شعور الى مواطنته التي لا يمكن لأحد التنصل منها”.

وكان فنانو الديوانية، انتقدوا في (12 من الشهر الجاري)، “تجاهل” الحكومة المحلية بنود الدستور التي نصت على دعم الفعاليات الثقافية والفنية والأدبية، واتهموها بتعمد “تهميش” الحراك الثقافي والفني الإبداعي الذي تحقق في المحافظة خلال السنوات الماضية عن “سابق إصرار وترصد”، في حين نفت إدارة المحافظة ذلك مؤكدة أن عدم إقرار الموازنة والعجز المالي الذي تعانيه حالا من دون تقديم الدعم للفعاليات الفنية وغيرها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *