تحسين الزركاني
68616_505783279487959_1549206444_n

شخصت عيون المتفرجين!، لتتابع بلهفة أحداث مسرحية يراها البعض كوميديا ساخرة، كتبت لتضحك الجمهور، فيما يراها الآخرون انها تراجيديا درامية، حرص مؤلفها على تجسيد الحزن والألم ومشاهد الموت والدمار لكل القيم والمفاهيم الانسانية، فيما وقف البعض الاخر يترجم الرؤية الاقتصادية، ومسعى الكاتب لتسليط الضوء على مشروع تجاري دولي كبير يحرك عجلة السلاح وكل الشركات والمؤسسات الحربية التي تعيش على الحروب بين الدول، وغابت للأسف عن الجميع إمكانية أن تكون جميع المسميات تحت عنوان واحد لمسرحية “الارهاب”، وسيناريو سورية والموصل وعدة مدن أخرى سيطر عليها مسلحو ما يعرف بتنظيم “الدولة الاسلامية في العراق والشام”، الذي اجتمعت تحت ظله بعد أن كان تابعا لتنظم القاعدة عدة أسماء أخرى، كانت حتى قبل شهر حزيران تتناحر معه وتقاتله في المدن السورية وتعمل على ازاحته من المشهد.

كان المشهد الثاني في الموصل العراقية التي تعد ثاني أكبر مدن المنطقة، بعد أن رفع الستار عن مسرحية الارهاب في سورية، سويعات ليس الا تطلب الامر، ليفر الجنود بأوامر قادة تابعين الى قيادة وإشراف مباشر مع القائد العام للقوات المسلحة، الذي سخر لحملته الانتخابية المباح وغيره، ليكون الناصر صلاح الدين الايوبي، أو طارق بن زياد، أو مختار العصر المنقذ، الذي تنبأت بظهوره وقت المحن في آخر الزمان جميع الديانات، وتباشرت به ليملأ الارض قسطاً وعدلاً، بعد أن امتلأت ظلما وجورا.

سقطت الموصل بيد التنظيم، الذي سيطر على منابع النفط وعدة حقول، بعد أن صادر معدات وأسلحة وتجهيزات عسكرية، أخذت من العراق مأخذا، وصرفت من أجلها مليارات الدولارات بصفقات مشبوهة من دول عرفت بطرق بيعها وما تدفع لعملائها وأطراف صفقاتها لتحقق الربح لا أكثر، لتسقط بعدها صلاح الدين وتزيد الموارد المادية للتنظيم، الذي بات آلاف المقاتلون يتباشرون به ويأتون من جميع أصقاع المعمورة للالتحاق به للجهاد في العراق، ويقتلون كل شيء حي بذريعة المرتدين على الدين، وتسبى النساء كغنائم، ليساء الى الاسلام ومفاهيمه، مع كل شبر تمتد فيه أرض الخلافة التي وصلت الى الانبار، وتسعى الى توسيع قاعدتها في التقرب لمناطق حزام بغداد.

الجزء الساخر من المسرحية، سقوط الموصل وتلك المحافظات الكبيرة ذات الانتشار الامني المكثف، والاسلحة التي تركتها الولايات المتحدة بعد اجلاء قواتها، إضافة الى الاتفاقية الامنية التي وقعتها مع رئيس الحكومة السابقة، التي قيل عنها ما قيل، وصورت بانها أروع انجازاته التي ما زال البعض متشبثا بها حتى الساعة، وعلاقة تزامنها بالحملة الانتخابية، والفوز منقطع النظير الذي شكك به المقربون السابقون، الذين أطاحوا به بعد خطابات رنانة سرقت الاضواء بحجة حماية الدستور، والتهديد ببحر دماء سيدفع الكبير والصغير ثمنه مالم تكن رئاسة الحكومة الثالثة لصاحب أعلى الاصوات والمنجزات  والبطولات التاريخية، الذي سرعان ما خضع لإرادات الدول بعد أن أحرقت ورقته كباقي سابقيه من الساسة العرب المحترقون.

وللأسف أن المشهد الساخر يرتبط بعدة أحداث تبعت سقوط الموصل كان ضحيتها سجناء بادوش، وجنود سبايكر، والصقلاوية وعدة مناطق أخرى، لتصل الرسالة الى الجميع بأن لا أمان لكم الا ببقائي وقوتي، الامر الذي يراهن عليه الكثيرون حتى الساعة، لتمتد السخرية الى اعلان تشكيل تحالف دولي، يعبر البحار ويأتي من خلف المحيطات ليقصف في كل يوم بعدة طلعات، مجاميع مسلحة تقوى مع القصف وتزداد قوتها وتبسط على الارض نفوذها، لتنظم اليه دول كانت بالأمس القريب متهمة بدعم التنظيمات الارهابية ماديا وعسكريا، فأصبحت اليوم في الصف الآخر لتقاتله!.

اما الجزء الدرامي والتراجيدي للمسرحية، حمامات الدم والاعدامات في الشوارع والسبي والتجارة ببيع النساء كجوار لإرضاء رغبات المقاتلين الجنسية وإشباعها، على الرغم من قدوم آلاف المتطوعات الاجنبيات، من دول وقعت وحشدت قواتها ضمن التحالف لتحارب تنظيم “الدولة الاسلامية”، لتخلط الأوراق وتسعى لإرضاء اله الأرض وتلبي رغباته بقرابين مرتزقة، في بلد مازالت آلاف الامهات بحاجة الى سماع نبأ تأكيد وفاة الابن أو الاب أو الزوج بعد فقدانه لأربعة أشهر بدون جثة، لتدفن معها حسراتهم.

ويبدو أن المشهد الثالث ترك الباب مفتوحا، وجميع الخيارات متاحة لاستكمال مشاهد تعقبه، أو الاكتفاء بهذا الجزء المعني بالآلة الحربية وشركات تصنيع الاسلحة والمعدات العسكرية، التي حققت أرباحا منقطعة النظير، لعوض ما خسرته في الازمة المالية التي عصفت بالعالم نهاية عام 2008، وتوقع عقودا على بيع أسلحة ومعدات عسكرية، لدول غاب عنها لوقت من الاوقات ان تفكر بإمكانية انهيار مفاجئ وصارت تشتري من كل المنافذ عساها ان لا تقع في الخطأ الذي أوقع ساسة العراق فيه البلد، فبين الموصل والارهاب وارتباطه بفكر صار من الصعب مواجهته في مجتمعات ترى انه الخلاص الوحيد لها من أنظمة فاسدة كبلت شعوبها وحرمتها بحجج لا بقاء لها في عصرنا، تبقى للكاتب وضع مزيد من المشاهد لراها الجمهور بحسب ما يود ويراه مناسبا لأفكاره، وقد تكون النهاية التي نتصورها، هي بداية لقرع الطبول ولعبة الحرب ليس إلا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *