العراق/الديوانية/خاص/مدونات عربية

الكاتب/ تحسين الزركاني

اشرقت على زIMG_5178هراء حسين علي (19 سنة)، شمس يوم جديد، لتؤكد استمرار مرارة غربتها عن وطن ولدت فيه، وعاشت به عدة أعوام بين كنف الوالد والام، لكنها اضطرت واختها أن تعانيا مع اليتم قسوة الموت التي سرقت منهن أبيهن وهنّ صغار، لتتكفلا خمسة أخوة اثنان منهما معاقان، لتمضي الى عمل شاق لم تتعوده يديها الناعمتين، فمن الكتاب ودفترها وأقلام الرصاص وواجباتها المدرسية، الى العجين وخبزه بتنور الطين، ومنه الى تجهيز الطعام لسبعة عشر أسرة، تضم تسعة وتسعين نازحاً، بينهم كبار سن ومرضى واطفال ومعاقين، لتذهب لغسل الاواني والملابس بطرق بدائية، بعد أن هجرتهم عصابات (داعش)، من منازلهم وحياتهم في الموصل الى حسينية في الديوانية.

لم تكمل فرحة زهراء بالنجاح الى السادس العلمي، بل صار مستقبلها يتلاشى أمام عينيها كلما اعادت شريط الذكريات، تحن وتشتاق الى مدرساتها وزميلاتها وصديقاتها وجاراتها، كما تشتاق الى طريق كانت تقطعه برفقتهن الى مدرستها.تقول زهراء ، إن “الارهاب لم IMG_5198يكتفي بسرقة أبي واغتياله بحزام ناسف كان يمني الجنسية فجره سنة 2006 في قضاء تلعفر، ليقتله  مع خمسة وثلاثين آخرين، ليترك لي ستة أخوة
واخوات اثنان منهم مصابان بعوق عقلي، بل سعت الجماعات الارهابية ومسلحو (داعش)، الى تهجيرنا قسرا من منازلنا في تلعفر في الخامس عشر من حزيران الماضي”.

وتضيف “سلبنا الارهابيون أموالنا وسرقوا أشيائنا الثمينة، ولم يسمحوا لنا بالخروج أحياء الا بما علينا من ملابس، عن نفسي لم أهتم بشيء مما فقدت، قدر ألمي على بيت فيه ولدت يحمل على جدرانه صور الذكريات الجميلة، التي كانت تثبت اننا كنا أحياءً وعشنا هنا ذات يوم، لكنه مضى!”.

وتوضح النازحة أن “الاقدار ساقتنا كما المنايا، بين المدن بحثا عن الامن والحياة المستقرة، حتى وصلنا الى الديوانية، استقبلنا أهلها بحفاوة وكرم، لكنه لم يكن كافيا ليعوض علينا حجم الالم الذي كنا نشعر به”، وتشير الى أنني “كنت في بادئ الامر أسهر الليالي وأفكر بنهاية قصتنا، لكني لم اوفق لأصل لها، مدرستي، حياتي، مستقبلي، كلها مشوشة غير واضحة المعالم”.

وتبيّن زهراء أن “واقع الحال فرض علينا وضعنا، وعلينا التكيف معه، بادر الينا الكثيرين من منظمات وميسورين ومتبرعين في بداية وصولنا، لكنني كنت اتوقع ان الناس ستتعود وجودنا ويذهب عنها حافز المبادرة، وعليه قررت أن أذهب الى واحدة من النساء التي كانت تخبز في أحد الايام بتنور من الطين، لتساعدني وتعلمني كيف أعجن!، ومن أين آتي بالحطب؟، وكيف سأنزل رغيف الخبز!، وكم يحتاج من وقت لينضج؟، ومتى سأخرجه من التنور؟، لأنني لم أخبز في حياتي قبل اليوم”.IMG_3626

وتتابع النازحة أن “المرأة علمتني ولم أجد صعوبة في ذلك، فسبعة عشر أسرة، تضم تسعة وتسعين شخصا بين شيخ وعجوز ومعاق وطفل وشاب، يسكنون في صالتين بإحدى الحسينيات، يحتاج الى الكثير من الجهد والعمل، ونحتاج الى أن نأكل ونغسل الثياب وننظف المكان، فجمعت قريباتي من هنّ في عمري أو أصغر، ووزعت عليهن الأدوار والواجبات، مجموعة تتبنى غسل الاواني، وأخرى للثياب وثالثة لتنظيف المكان، والأهم المجموعة الرابعة التي تراقب الاطفال خوفا من خروجهم الى الشارع العام”.

وتستدرك زهراء أن “العمل شاق جدا، استيقظ في الرابعة فجر كل يوم وأوقظ اختي الصغرى، لنعجن الطحين، ونشعل تنور الطين ونخبز الخبز، فلا مال لدى أعمامي يتيح لهم شراءه لنا، نعد الافطار ونوقظ الجميع لنأكل معا، لنبدأ مشوار كل يوم، الذي لم نعتده في حياتنا السابقة لكنه واقع فرض علينا بسبب الارهاب وجرائم (داعش)، الدموية”.

وتؤكد النازحة على أن “دراستي في مقدمة اهتماماتي وسأعمل على اكمالها في الديوانية، عسى ان اجد مدرسة قريبة، تخلصني من أجور النقل ومصاريف الدراسة التي ما زلت حائرة في كيفية تأمينها، عسا أن تلتفت منظمات حقوق الانسان الدولية والمحلية لواقعنا المرير، حتى يأذن الله ويكتب لنا العودة الى ديارنا وحياتنا المسلوبة”.

IMG_4921ويسكن مع زهراء في الحسينية عمها وأسرته البالغ عددهم تسعة نسمات، بينهم عجوز كبيرة السن ومعاقة، وتحمل في جسدها عدة أمراض مزمنة افقدتها القدرة على النطق والكلام.

ويقول النازح محسن علي عبدالله، إن “الاوضاع المعيشية باتت تضيق علينا، خاصة وأن لدينا مرضى ومعاقين، فالحكومة والمنظمات ابتعدت بشكل كبير، ولم نعد نرى أحد منهم يفكر فينا أو كيف نحيا أو من أين نتدبر أمورنا، ولو راجعنا حجم المساعدات التي وصلت الينا أصلا لوجدناها لا تكفي الأسرة ليومين فقط”.

ويضيف أنني “منتسب الى الأجهزة الأمنية، وسجلت عودتي في أكاديمية شرطة الديوانية ساعة وصولي، ولم أتسلم منذ شهر مايس الماضي راتبي الشهري، على الرغم من أن أجور النقل تكلفني كل يوم نحو عشرة آلاف دينار، الامر الذي يضطرني الى تشغيل أبنائي في السوق لتأمين مصاريف الاسرة، بعد أن غرقت بالديون الى صاحب المحل، الذي يساعدني لأنني من المهجرين، لكن الى متى يستحمل الرجل هذه الاوضاع؟”.

بدوره يؤكد مسؤول شعبة الاعلام في جمعية الهلال الاحمر العراقي في الديوانية، حيدر حاكم حسين، إن “عدد الاسر النازحة الى محافظة الديوانية بلغ لغاية اليوم 2736، يشكلون 13750 نازحاً، من محافظات شمال وغرب العراق”، ويشير الى أن “الاسر النازحة باتت تعاني عدم الاهتمام وشحة المواد والمساعدات الغذائية والانسانية، وأصبحت في وضع انساني حرج للغاية”.

ويتابع أن “تدهور الوضع الاقتصادي وغياب مصادر تمويل النازحين، زاد من حجم معاناتهم، وعلى منظمات المجتمع المدني أخذ دورها ومسؤوليتها في مد يد العون لمساعدة النازحين”.

بالمقابل يردّ رئيس لجنة حقوق الانسان في مجلس محافظة الديوانية، حسن مجلي، أن “حكومة الديوانية أعلنت منذ بداية أحداث الموصل وأزمة تهجير المواطنين من المناطق الساخنة، ان طاقتها الاستيعابية محدودة للغاية ولا تتحمل أعداداً كبيرة، ودخول النازحين بهذه الاعداد أثر سلبا على تقديم الخدمات لأبناء المحافظة ولهم في وقت واحد”.

IMG_5148ويبّن مجلي أن “فقر الديوانية وفقدان مصادر التمويل فيها وعدم اقرار الموازنة، كلها أسباب أثرت على متابعة شؤون النازحين لتوفير المساعدات الضرورية لهم، على الرغم من توجيهنا الى جميع الدوائر والمؤسسات الحكومية، بتوفير الخدمات الضرورية لهم، وما يسجل من تقصير او قصور يكون خارج عن الارادة بسبب فقر المحافظة ومحروميتها أصلا”.

ويشير رئيس لجنة حقوق الانسان الى أن “المسؤولية ملقاة على عاتق المنظمات الدولية والمحلية، التي لم يصل مستوى ما قدمته من مساعدات الى حد الطموح كونها رمزية وقليلة جدا، على الرغم من تشكيل لجنة خاصة في المحافظة تعنى بالتنسيق مع المنظمات المانحة لضمان تدفق المساعدات للنازحين، مهما استمرت فترة تهجيرهم، لكن للأسف لم نحقق الهدف لغاية”، ويلفت الى أن “تنسيقا مع دائرة الهجرة لتوزيع المساعدات على النازحين خلال الأيام المقبلة، على أمل ان تتحرر أراضيهم من (داعش)، ويعودون الى ديارهم سالمين”.

وكان مجلس محافظة الديوانية (يبعد مركزها 180 كم جنوب بغداد)، قرر في (الخامس من آب 2014)، توفير الخدمات الصحية مجاناً الى النازحين وحث المنظمات الدولية لإنشاء مخيمات سكنية أو مجمعات لإيوائهم بدلاً عن اسكانهم في المواكب الحسينية.

IMG_5104يذكر أن الديوانية، من بين المحافظات التي استقبلت النازحين من نينوى وصلاح الدين والأنبار وكركوك وديالى، بعد سيطرة تنظيم (داعش) على مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى،(405 كم شمال العاصمة بغداد)، في (العاشر من حزيران 2014)، وامتداد نشاطه بعدها، إلى محافظات عدة أخرى ما أدى إلى موجة نزوح جديدة في العراق.

وكانت حكومة إقليم كردستان والأمم المتحدة، أكدتا في (الـ31 من آب الماضي)، أن مليوناً و400 ألف شخص لجأوا لإقليم كردستان خلال عام 2014 الحالي، منهم 850 ألف عراقي، ذهب 64 بالمئة منهم لمحافظة دهوك، ما أضاف “عبئاً ثقيلاً جديداً” على شعب الإقليم وحكومته”، وفيما اكدت أنها تعد ستراتيجية واضحة بهذا الشأن، وستواصل إقامة المخيمات لاستيعاب أكبر عدد ممكن من النازحين، عدّت الأمم المتحدة أن الأزمة الحالية التي يشهدها العراق “معقدة” كتلك التي حدثت سنة 1991، ما يتطلب الشعور المستمر بالحاجة الملحة لتقديم المساعدة  المطلوبة على نطاق واسع من قبل الأطراف المحلية والعالمية كلها.

وكان تنظيم (داعش) قد فرض سيطرته على مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، (405 كم شمال العاصمة بغداد)، في،(العاشر من حزيران 2014)، كما امتد نشاط داعش بعدها إلى محافظات أخرى بينها صلاح الدين وكركوك وديالى وأربيل ودهوك ومناطق قريبة من العاصمة بغداد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *