قلم حر
تحسين الزركاني
تعيش دول العالم وخاصة في 1458569_590943210971965_1831111207_nالشرق الاوسط، في الايام الماضية حالة من الهيجان، وكأنها بحر ضُرب بإعصار جامح، فعلّت امواجه لتلاطم صخوراً، على أمل أن تفلح في النحت عليها تمثالاً أو لوحة فنية، تصور لها تاريخا زائفاً لا أساس له في الواقع، أو الوجود الا بعقول المجانين، والمصيبة أن هؤلاء المجانين يحاولون اقناع ذوي العقول، بأن الوهم حقيقة، وليس كسراب الصحراء، الذي يراه الظمئان واحة ماء، التفت حولها أشجاراً جميلةً مثمرةً بفاكهة نظرة، فيركض نحوها ليروي عطشه، ويشبع جوع بطنه، لكنه سرعان ما يوقن أن الأرض لا تحمل مما لهث لأجله، فيعود الى يأسه ثانية عساه يجد سراباً آخر، ليكرر جريـه ثانية، متناسيا أن الموت يترقبه، ويحيط به من كل حدب وصوب، ينتظر ساعة يأسه ليتمكن منه، ليجعله فريسة لوحوش البيداء، تعتاش عليه حينا، حتى يـأتي حالم آخر بسراب.

هكذا هو المشهد في الشرق الاوسط والوطن العربي، بعد أن وضعت دول النفوذ خطتها منذ عقود، دون ان يعي العرب ما يواجهون وما ستؤول اليه بلدانهم، على الرغم من تحذير الكثيرين، وبدأ كل شيء يسير كما خطط له حرفيا، فلسطين العراق مصر تونس ليبيا سورية ولبنان، حروب، صراعات، نزاعات، خلافات، قتل، موت، طائفية، تقسيم، ودمار شامل، ونحن غافلون، شوهوا الاسلام وتعاليم دين محمد (ص)، وجعلوا منه دين القتل والسيف والارهاب والنهب والسلب والمتعة والنكاح، لننسى فلسطين وموت عروبتنا، ونشيّد اسوار الطائفية والتقسيم الى دويلات، بعد أن صار حلم رفع الحدود بين البلاد العربية كابوسا يقلق العرب قبل غيرهم، لنقتل بأيدينا انشودة كان اطفال العرب يتغنون بها قبل زمن ليس ببعيد (بلادُ العُربِ أوطاني، منَ الشّـامِ لبغدان، ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ، إلى مِصـرَ فتطوانِ، فـلا حـدٌّ يباعدُنا، ولا ديـنٌ يفـرّقنا، لسان الضَّادِ يجمعُنا، بغـسَّانٍ وعـدنانِ، لنا مدنيّةُ سَـلفَـتْ، سنُحييها وإنْ دُثرَتْ، ولو في وجهنا وقفتْ، دهاةُ الإنسِ و الجانِ، فهبوا يا بني قومي، إلى العـلياءِ بالعلمِ، وغنوا يا بني أمّي، بلادُ العُربِ أوطاني)، للكاتب فخري الباروني، والحان الاخوان فليفل، ونقتل مع طفولتنا أحلام ابنائنا اليوم، لأننا لم نكن نعرف حينها معنى تكفير الاخر، او جواز قتله كونه مسيحي او صابئي، او لأنه سني أو شيعي وغيرها، كانت العروبة وحدها من تهمنا ونعمل على تجسيدها، لكننا للأسف وصلنا الى آخر الزمان.
وليراجع المشككين الأحداث ويستذكروا متى كانت اسرائيل تضرب كل مرة غزة او مدن فلسطين المحتلة، سيجد ان هناك احداثا في امة العرب واوطانها متزامنة، وسيجد ذات السيناريو، لكن الفرق في المكان لا اكثر، وبين ما شهده العراق وسوريا من أحداث دامية، طالت المسيحيين وباقي الديانات، بعد ان استمكنت من طوائف المسلمين، ونجحت في تفريقهم وزرع الفتنة والعداوة والبغضاء بين من لا يملكون عقلا او فقها، عبث اليهود ثانية بغزة العرب السابقين، وليس دعاة عروبة اليوم المتباكين فرحا لنصر اعدائهم، تمهيدا لانهيار امة الى الهاوية، كانت تحسب لها الامم حسابا، وبنت على ركامنا حضاراتها، ليقبع طائر “الفينيق” تحت الركام ثانية، عساه يجد يوما عربيا ينفض عنه ذلك الركام ليحلق بسماء العرب الملبدة بغيوم سوداء لا تحمل مطرا بل مثقلة بالرماد الذي سيذر في عيون المبصرين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *